نحو بناء نظام عربي جديد في عالم متغير

محاضرة ألقيت في منتدى شومان الثقافي 20/4/1999

 

عندما طلب مني الأستاذ إبراهيم عز الدين تقديم محاضرة بعنوان  "نحو بناء نظام عربي جديد في عالم متغير" شكرته وسعدت كثيراً بهذا التكريم، ولكنني ترددت، ليس لأنني أتثاقل في تقديم الفكر ووجهة النظر، بل لأنني أصبحت أشك في قدرة الفكر والتحليلات على التأثير في مجريات الأمور وصناعة القرار العربي، فالمواطن العربي اختلفت أولوياته وأصبح مغلوباً على أمره من شدة معاناته ولهاثه لتأميــن رزق عائلته ومستقبله، وأصبح يطلب عملاً لاقولاً، ولكنني قبلت لأن علينا جميعاً أن نتخذ موقفاً، ونسعى لتحقيقه، وأن نعمل على التغيير نحو الأصلح والأفضل، لتكوين القناعات وإعادة تشكيل الوضع العربي. مهمــا كانت الصعوبات والإحباطات، قبلت لأن الحس الشعبي أسبق من الرسمي ومتقدم عليه، ويجب الدفع دائماً باتجاه الاستجابة للإحساس الشعبي. إن صناعة القرار العربي تنطلق من قاعدة ضيقة لا تشارك فيها في كثير من الأحيانمؤسسات المجتمع المدني أو مراكز البحث والفكر، كما تعتمد على أسس ومعايير ومصالح آنية أو أنانية أو ضيقة، لكن المتغيرات التي برزت منذ الحرب العالمية الثانية، السياسية منها والاقتصادية والعالمية، سوف تجعل من العالم عالماً مختلفاً إلى حد كبير في القرن القادم، فما هي هذه المتغيرات؟

 

في ظني أن التغيير أصبح السمة الرئيسية لعالم اليوم، بمعنى أننا نشهد انتقال عالمنا المعاصــر من حالة نوعية إلى حالة نوعية أخرى، قد تروق للبعض وقد تغضب البعض الآخر، وقد تبعث الأمل في نفوس آخرينأو تحبط غيرهم، قد تحفز بعض الناس على التحرك، أو تشل غيرهم، وقد تسهم في إعمال الفكر لدى البعض وتحثهم على مراجعة الذات، وإعادة النظر في المفاهيم والشعارات القديمة، وتدفع البعض الاخر إلى التشبث بالموروث من الأفكار والشعارات ووسائل العمل، وينســحب هذا البعــــد (التغيير) على جميع المستويات الخاصة بأبعاد الحضارة الإنسانية: البعد المعرفي، وتلك الأبعاد المرتبطة بالقوة أو بالثروة، فالعلوم تتلاقح وتتقدم باستمرار، ومراكز القوة تتبادل المواقع، ومعايير الثورة تتجدد، وتكتسب معانٍ جديدة.

 

العالم اليوم هو أحادي القطبية، فالولايات المتحدة لا تجد منافسة حقيقية من أية قوة أو تجمع دولي أو إقليم جغرافي، وأحادية الولايات المتحدة تنبع من امتلاكها لعدد من عناصر القوة، يجعلها بالتالي تتمتع بتفوق نوعي في مجالات متعددة، فهي: القوة العسكرية الأولى في العالم، والقوة الاقتصادية الأولى فيه، وتقدمها العلمي والتكنولوجي هو الأسرع والأفضل. ولديها جغرافيا هائلة، واكتفاء ذاتي في معظم من المواد الأساسية، ويسير حركتها نظام إداري فعال ومنتج، وقد انعكست عناصر القوة في تفوق أمريكا وثقلها باعتراف العالم به، نعم، قد تكون صفة من هذه الصفات، أو عامل أو أكثر متوفراً لدى دولة أو تجمع ما، لكنها مجتمعة لا تتوفر إلا في الولايات المتحدة، والسؤال: إلى متى ستحتفظ أمريكا بهذا التفوق وتلك السيطرة؟

 

واضح لنا أن محاولات تجري في أقاليم أخرى من العالم تعمل لأجل خلق نوع من التوازن، وأقدر أنه في العقد الأول من القرن القادم، سيصبح الاتحاد الأوروبي أكثر اتساعاً وتماسكاً، وبالتالي سيكون منافساً حقيقياً ولا أقول معادياً للولايات المتحدة، في المجالات السياسية والاقتصادية، ومع أن مظاهر هذا التنافس الودي تظهر بشكل خجول إلا أنها ستؤدي عاجلاً ام آجلاً لاستقلالية القرار أو التوجه الأوروبي، أما أول مظاهر هـــــذا الاستقلال فظهور العملة الأوروبية (اليورو) بدايـــــــة العام القادم، وسوف يتزامن ذلك مع بروز الصين، أكثر من أي وقت مضى، كقوة لا يمكن تجاهلها، فالصين تتقدم بخطوات حثيثة نحو بناء قوة اقتصادية وعلمية كبيرة، ولا بد أن ينعكس هذا النمو إيجاباً على دورها السياسي الذي ستلعبه على الساحة الدولية بشكل أكبر خلال الحقبة القادمة، وسيكون أثر ذلك واضحاً في آسيا أولاً، وفي باقي أنحاء العالم ثانياً، ويتزامن ذلك مع نهوض الشعور الوطني الروسيالذي سوف يعمل على إخراج روسيا من قلقها الحالي ومن حالة المهانة والذل التي تعاني منها، وإعادتها إلى دورها ووزنها الدولي الذي كانت تتمتع به قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، إن روسيا تدرك الآن أن عليها أن تعود كما كانت، قوة عالمية فعالة ومهابة، وما موقفها الحازم خلال الأزمة العراقية مؤخراً إلا تعبير رمزي عن ذلك، وسوف يتلو ذلك مواقف أخرى مماثلة في أحداث وأزمات قادمة.

 

إن بروز هذه القوى إن تم سيكون على حساب قوة الولايات المتحدة السياسية، والاقتصادية والعسكرية التي لا نزاع الآن. وسوف تحاول كل القوى الجديدة، لأسبابها الخاصة، وتبعاً لظروف إقليمها وأوضاعها الداخلية، وبدرجات متفاوتة، تغيير موازين القوى لتأخذ حصتها التي تستحق.

 

وقد تنشأ تحالفات معلنة أو غير معلنة بين بعض القوى لمواجهة التطورات العالمية، فروسيا تاريخياً موزعة الغربة والتوجه بين نصفها الأوروبي ونصفها الأسيوي، وقد تميل بثقلها إلى إحدى هذه القوى الإقليمية أو تكون صلة الوصل بينها، والقمة الثلاثية الروسية والفرنسية والألمانية التي عقدت في موسكو الشهر الماضي تصب في هذا الاتجاه، وكذلك القمة الأوروبية الآسيوية التي عقدت في لندن  بداية الشهر الحالي، وفي جميع الأحوال سترى الولايات المتحدة في هذه التحولات تحدياً لقوتها وسيطرتها، دونما تهديد عقائدي أو عسكري لبعضها البعض، وسيجري التنافس بينها بالوسائل الاقتصادية والسلمية وصولاً إلى المكانة والثقل والتأثير السياسي، وهذا أمر يقرب جهود تلك القوى من بعضها البعض في مواجهة النفوذ الأمريكي.

 

ولهذا، تقوم الولايات المتحدة بإجراءات استباقية لمنع أو تأخير أو تعطيل هذه التطورات، مستخدمة أدوات وأساليب مختلفة ومتعددة تناسب الحاجة، فتارة نراها تحاول احتواء الدور السياسي الأوروبي وتحجيمه وإلحاقه بها، وما زيارة بيل كلينتون الواسعة للقارة الإفريقية، التي تقع تقليدياً في الخانة الأوروبية إلا دليل صارخ على ذلك، وتسعى تارة أخرى لإضعاف اقتصاديات دول آسيا، وخاصة دول ما يسمى النمور الاقتصادية، مستغلة بذلك نقاط ضعف موجودة في بعض تلك البلدان كأندونيسيا، وتلوح مرة ثالثة بورقتها العسكرية في منطقة هامة وحساسة من العالم هي منطقتنا لتجعل منها منطقة متجانسة أمنياً وسياسيا لصالحها، ولذلك كان لا بد من ضرب العراق عسكرياً لأنه أكثر الأنظمة والبلدان تمردا، ويقف عائقاً أمام هذا المخطط، ولم تتم الضربة العسكرية للعراقلأسباب خارجة عن إرادة الولايات المتحدة، وفي موضوع الشرق الأوسط عامة والموضوع العراقي خاصة، لا أنكر العنصر أو التأثير الإسرائيلي المتداخل في القرار الأمريكي، فالمصالح الأمريكية في منطقتنا يمكن اختزالها بكلمتي النفط وإسرائيل. غير أن هذه المسألة ليست هي موضوع بحثنا هذا المساء.

 

يتم التعامل مع هذه المحاولات والسياسات والتخطيط لها على مستوى الإقليم الجغرافي أو على مستوى الدول، ومع هذا فالولايات المتحدة تملك من الأدوات ما تستطيع به اختراق الحدود، وتستعملها لإبقاء وتوسيع نفوذها واختراقها لاقتصاديات الدول، ومبدأ العولمة هو أحد هذه الأدوات، الذي أصبح مقبولاً وممارساً ومؤسسياً، ومما ساعد في  تسويق العولمة ثورة التكنولوجيا والمعلومات والاتصالات التي جعلت الناس في العالم أقرب إلى بعضهم بعضاً، ولكن العولمة تعمل بشكل أساسي لصالح القوى الكبرى سياسياً واقتصادياً، إن مبدأ العولمة يقفز فوق الحدود بل يلغي جزئياً مبدأ سيادة الدولة، ويوفر للشركات الضخمة ورأس المال الأجنبي نفوذاً في تلك الدولة لا يمكن تجاهله، ومثلما أصبحت مفاهيم الحفاظ على البيئة وحقوق الإنسان عالمية تتجاوز حدود الدولة بعينها، فإننا نستطيع الآن إضافة الاستثمار ورأس المال الأجنبي إليها.

 

ولهذا فإنني أرى أن الصراع سوف يأخذ أشكالاً غير معهودة وغير كلاسيكية في العقود الثلاث القادمة.وسوف يكون الاقتصاد هو السلاح الأهم والعنصر الأساس في حلبة الصراع الجديدة، وللأسف فإن الإقليم العربي سوف يكون هامشياً في التأثير على مجريات الحقبة القادمة، لانشغاله بقضاياه اليومية والصغيرة.

 

لقد آن الآوان لمراجعة الذات، وإعمال الفكر النقدي في تجربتنا على امتداد القرن، لاستخلاص الدروس والعبر وإعادة صياغة مشروع النهوض العربي والنظام العربي من جديد، وبناء نظام عربي متحرر من أخطاء الماضي، ومن الرومانسية العاطفية، ومسلحاً بالعلم والموضوعية والواقعية، وقادر على بعث شعلة الأمل والحماس في الذات العربية، ويجب أن يقوم هذا النظام أو المشروع على ثلاثة عناصر هي: الديموقراطية، الوحدة العربية، والنمو الاقتصادي والمتكامل، أي أنه لا يصح التعامل مع أي منها دون الآخر، بل يجب أن تسير في مساربها المرسومة لها بسرعات متقاربة.

 

لقد إنطلقت كافة الأقاليم في العالم من هذه العناصر فتغيرت أوضاعها، وأصبحت مستعدة لدخول القرن القادم بجاهزية لا سابق لها، فقط الإقليم العربي وبعض أجزاء الإقليم الإفريقي، لا تزال تتعثر في خطواتها وإصلاح شانها وبنائها الداخلي، أبدأ القول إن الديمقراطية حق وليست منحة، ولكن الديمقراطية تقف عند أبواب العالم العربي غير قادرة على دخولها، وتراكم التخلف من الحقبة العثمانية مع أثار الاستعمار الأجنبي على معظم أجزاء الوطن العربي، ليسهم في جعل الأنظمة العربية تحكم سيطرتها على مقدارت الأقطار العربية، وحجب شعوبها عن المشاركة في صناعة القرار بحجج وتبريرات متعددة، وبخلق مراكز قوى ذات مصالح مرتبطة ببقاء ذلك النظام، لم تنشأ الدولة العربية بمعناها الواسع إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وكان استقلال هذه الدول منقوصاً، ومنذ تلك الفترة ولغاية الآن لم يتبلور لدى الحكومات العربية وعند كثير من المواطنين مفهوم الدولة، إن الدولة القطرية العربية بمعناها الصحيح لم تصبح أمراً واقعاً بعد، فالمواطن العربي ما زال موزعاً إلى حد كبير بين ملته وانتمائه العشائري، وبين جهويته وقوميته، أما الأنظمة العربية فهي أنظمة أبوية بدرجات متفاوتة بين بلد وآخر والمفهوم الأبوي في الحكم يناقض المفهوم الديمقراطــــي، وقد اعتمد النظام الأبوي نفسه إما على الملة أو على العشيرة أو كليهما، إن بناء النظام الديموقراطي الحقيقي هو طريقنا ويجب أن نسارع إلى تشييد البناء، فالعالم الديمقراطي ينتقل من ديمقراطية التمثيل إلى ديمقراطية المشاركة، أما نحن فلم نصل بعد إلى ديموقراطية التمثيل. لعل الخطوة الأولى على طريق تحقيق البناء الديموقراطي السليم قيام تفاهم بين نظام الحكم والشعب على ضرورة ذلك.

 

ويجب أن نبدأ ببناء مؤسسات المجتمع المدني وترسيخ مبدأ فصل السلطات، ويجب أن تتكامل هذه البداية مع تحقيق مبادىء سيادة القانون وتكافؤ الفرص والتعددية السياسية وتوسيع قاعدة صناعة القرار، إن مجلس الأمة والأحزاب والصحافة والنقابات والبلديات وغرف الصناعة والتجارة والفعاليات الاقتصادية، والجمعيات الخيرية والثقافية والأهلية، لبنات أساسية في المجتمع المدني يجب أن يسمح لكل منها القيام بواجبها المحدد لها، أي خدمة قطاعها تحديداًوالمجتمع عامة. ويجب أن ترتبط هذه الحلقات ببعضها بعضاً لتــكون دائرة كاملة، المهم أن نبدأ السير وأن نبقى على الطريق الصحيح ولا ننحرف ونعود إلى نقطة البداية.

 

وتظل قضية الوحدة العربية حلماً يدغدغ مشاعر الإنسان العربي بأجياله المتواصلة، وتبدو كأنها نمط من المفارقة بين النظرية المنطقية والواقع العربي المنكسر، وهذه المفارقة تقود البعض للافتراض أن تحقيق الوحدة العربية يحتاج إلى معجزة، نظراً لما يحفل بـــه الوضع العربي الراهن من نزاعات قطرية وتعقيدات وتباينات سياسية واقتصادية وقانونية واجتماعية، لكن الحديث عن الخطوة الأولى ودورها في مسيرة الألف ميل، هو الحديث عن تقريب الحلم إلى الواقع. إن ما بين الواقع والحلم، وما بين الممكن والمحال، مسافة زمنية كبيرة، ولكنها المسافة التي لا تبدأ إلا بالخطوة الأولى، والخطوة الاولى الحاسمة باتجاه تحويل الفكرة إلى واقع تتمثل في عودة التضامن العربي، وهذه الخطوة تمكن من استعادة ثقة الجماهير العربية المهمشة والأشد فقراً بإمكانات الفعل التاريخي العربي الجديد. إن حلمنا بالوحدة لاينطلق من الوهم، بل أن مصدر هذا الحلم هو الوعي والفكر والتاريخ أيضاً.

 

إن واقع الحال يفرض علينا أن نعيد النظر في كيفية الوصول إلى الوحدة العربية المنشودة، العالم العربي يتكون من أربعة أقاليم هي: المشرق العربي أو الهلال الخصيب والجزيرة العربية والمغرب العربي ووادي النيل، والمطلوب قيام علاقات وحدوية بين دول كل إقليم، أي أن تتفق سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق مثلاً على إقامة علاقات اتحاديـــة ما تبدأ أفقياً، وتتدرج لتنضج الظروف والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتخذ عندها قرار الوحدة المناسب، فأنا لا أؤمن الآن بأسلوب الطفرة أو الصدمة طريقاً للوصول إلى الوحدة العربية، بل أؤمن بالتطور والتراكم، مما يجعل مفهوم الوحدة العربية وواقعها يتقدم بثبات ووضوح، وهكذا يمكن أن تتم الأمور داخل الأقاليم العربية الثلاث الأخرى، لقد بدأت أوروبا الطريق الاتحاد منذ الخمسينات، وأصبحت الآن بهذه الطريقة شبه دولة متحدة وتسير بقوة على طريق كونها قوة عالمية سياسية واقتصادية وعسكرية حقيقية، إن البوادر العربية باتجاه هذه الفكرة قد بدأت عندما تم تأليف المجالس الإقليمية العربية: مجلس التعاون الخليجي، مجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون المغاربي.ولكن الأمر لم يكتمل وتجمد عند حدود ضيقة، وبعد نضوج هذه الخطوات الحيوية يتم التفاهم على خلق اتحاد فيدرالي او كونفدرالي  بين الأقاليم العربيــة، وأعتقد أن المشروع، يأخذ بعين الاعتبار مشكلة نعاني منها منذ الاستقلال، وهي الجدلية المــزمنة بين الوطني والقومي، فالوحدة بين دول كل إقليم تجمع بين المشاعر الوطنية، والمطلب القومي، والاتحاد بين الأقاليم العربية يلبي الأهداف الوحدوية والقومية، إن هذا المشروع طموح وطويل الأمد وسيستغرق إنجازه أجيالاً عدة، ولكنه  يضعنا على طريق إنشاء النظام العربي السياسي والنظام العربي الإقليمي، ودولة الوحدة سواء كانت ضمن دول الإقليم العربي أو بين الأقاليم العربية، وهي الحل الأمثل لمواجهة إسرائيل الكبرى، وهي التي سوف ستضع العرب في سياق التطور والتأثير العالمي.

 

أما العنصر الثالث فهو النمو الاقتصادي المتوازن والذي لن أتوسع في الحديث فيه، لأن خبرتي قليلة فيه.وبالتأكيد، فإن التنمية الاقتصادية هي عنصر هام من حياة الدول والأمم، ويجب أن ترتكز التنميــة على أسس محددة وواضحة، مثل وجوب تحقيق العدالة الاجتماعية، وخلق توازن داخل المجتمع، كما يجب أن تتعامل مع المتغيرات العالمية التي أسلفنا ذكرها، فالقرن القادم هو قرن الاقتصاد المبني على ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا، وأسارع هنا بالقول إن هذا الهدف الاقتصادي يجب أن يكون مشروعاً متكيفاٌ مع الأغراض والأهداف الوطنية والقومية وليس مستورداً بقالب جامد يناسب القياس العالمي ويتجاهل عن قصد أو غير قصد القياس الوطني.

 

فالاختلالات في المجتمع العربي كبيرة وتتسع باستمرار، وغياب الديموقراطية والمساءلة والتخطيط، يعطي الامتيازات أصحاب رؤوس الأموال ويسلب باقي الفئات حقها في التطور والنمو، لقد صارت السلطة في بلادنا مصدر الثروة، والثروة مصدراً  للسلطة، وتلك معادلة مختلة، والأصح أن تؤدي التنمية الاقتصادية لخلق شريحة اقتصادية واجتماعية عريضة جداً نسميها الطبقة المتوسطة، فالطبقة المتوسطة عماد الاستقرار في أي مجتمع.وكلما كانت قاعدة هذه الطبقة أعرض وأكبر، ازداد رخاء المجتمع وازدهاره واستقراره، واتصف بالعقلانية والموضوعية والإنتاجية والانضباط، ويبقى في نهاية طرفي المعادلة نسبة سكانية صغيرة تضم شريحة الفقراء والأغنياء، ومهمة خلق التوازن ملقاة أولاً على عاتق الدول القطرية وليس على عاتق دولة الوحدة، ولا يكتمل ذلك إلا بالتخطيط الدقيق لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول كل إقليم عربي.

 

ختاماً أقول، إن للأردن دوراً هاماً في رسم معالم المشروع النهضوي العربي، وفي دفع مسيرة بناء نظام عربي جديد، فالظروف التاريخية التي نشأ فيها الأردن الحديث والموقع الجغرافي والتكوين السكاني والمستوى الفكري والثقافي والتعليمي للمجتمع والتجانس البشري، وقومية المواطن الاردني، وارتباط المصالح الأردنية الأساسية السياسية والاقتصادية مع محيطها العربي، وشرعية قيادتنا السياسية القائمة على المفهوم القومي وعلى تحقيق الوحدة العربية، كلها عوامل تدفع وتؤيد ان يكون للأردن هذا الدور المميز.

 

نحـــن يجب أن نكون القدوة لكل بلد عربي في تحقيق الوصول إلى تلك العناصر الثلاث، وقد وقفنا على بداية هذا الطريق عام 1989، وتطلعت إلى تجربتنا الخيرة كل الشعوب العربية وتأملت خيراً. وازدادت القناعات العربية بالتجربة الأردنية الرائدة خلال حرب الخليج عندما التحم الموقف الرسمي بالموقف الشعبي وأصبح المجتمع الأردني متماسكاً لا تخترقه أشعة الليزر، هذا التماسك هو الذي حمى الأردن من العواصف الهائجة التي كانت تعصف به وبالمنطقة من حوله لكن هذا الدور الريادي ومثال القدوة تتراجع يومياً، وسنكون كلنا في الأردن خاسرين. وندفع وأمتنا العربية ثمناً باهظاً لركضنا وراء السراب، إيماننا بشعبنا وعروبتنا هو طريقنا وهو خلاصنا.