هل تاهت البوصلة الأردنية؟

مقال نشر في جريدة الراي بتاريخ 13/1/1998

 

كان الهدف الإستراتيجي وبعيد المدى للمؤتمر الصهيوني الذي عقد في بازل عام 1897، هو إنشاء دولة لليهود في فلسطين، وللوصول إلى هذا الهدف فقد أرسى المؤتمر وما تبعه من مؤتمرات نمطاً من التخطيط والسلوك يعتمد على سياسة المراحل والإنجاز التراكمي، وكانت الحركة الصهيونية تحدد هدفها الآني وأولوياتها وتسعى لتحقيق ذلك ضمن تلك المرحلة، وعندما تنتهي تلك المرحلة. تبدأ مرحلة اخرى بأولويات مختلفة وهكذا، وجاء وعد بلفور عام 1917 ضمن ذلك السياق المرحلي الذي يهدف في مداه البعيد لانشاء دولة إسرائيل على كامل التراب الفلسطيني، وكذلك جاء إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 واحتلالها لباقي فلسطين عام 1967 ضمن السياق نفسه، ولا تختلف الحكومات والأحزاب الإسرائيلية على هذا الهدف إلا في التفاصيل وطريقة الوصول إليه والتوقيت، ومجرد قبول هذه الحكومات والأحزاب بحق اليهود والإسرائيليين في الاستيطان في كافة أنحاء الضفة الغربية وغزة، ما هو إلا تأكيد من قبلها على أن الأرض لهم وأن السكان الفلسطينيين ما هم إلا ذوو وجود طارىء على هذه الأرض، ويجب أن ينتهي هذا الوجود في الوقت المناسب، وأوضح الحكومات الإسرائيلية في تعبيرها عن الرغبة في تحقيق ذلك الهدف هي حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، وتسارع عملية الاستيطان ومصادرة الأراضي والخطط السابقة واللاحقة في ضم أراضشاسعة من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، ما هو إلا دليلٌ واضح على اقتراب الوقت المناسب، فالعقيدة اليهودية تطالب بكل فلسطين وإسرائيل تريد الأرض دون السكان.

 

لقـــد أعلنت إسرائيل منذ الأيام الأولى لاحتلالها مدينة القدس عن ضمها إلى إسرائيل، وفرضت عليها السيادة الإسرائيلية، وأعلنتها عاصمتها الموحدة والأبدية، ومنذ ذلك الوقت تقوم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ورئاسة البلدية الإسرائيلية لمدينة القدس بتوسيع حدودها، حتى بلغت هذه الأيام حوالي 28% من مساحة الضفة الغربية، وفي التعريف الإسرائيلي، فإن القدس الكبرى في حدودها الحالية قد أصبحت عملياً جزءًا من دولة إسرائيل، وهي العاصمة الموحدة والأبدية لها،  وبهذا فإن ثلث الأراضي الفلسطينية المحتلة قد انسلخت عن أراضي الضفة الغربية وأصبحت من وجهة النظر الإسرائيلية خارج نطاق التفاوض، وعندما تنتقل السفارة الأمريكية إلى القدس بعد عامين، حسب رغبة الكونغرس الأمريكي فإنها سوف تنتقل إلى القدس الكبرى الجديدة، وسيكون هذا اعترافاً أمريكياً ليس فقط بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولكن بانتزاع الحق العـــربي الفلسطيني عن تلك المساحات من الأرض التي ضمتها إسرائيل إلى (قدسها الكبرى). وبطبيعة الحال، فسوف يلحق بهذا الاعتراف الأمريكي اعترافات دولية أخرى، قد يكون من ضمنها اعترافات عربية.

 

هذه حقائق تاريخية وموجودة على الأرض، ولا يستطيع أحد أن ينكرها أو يتلاعب بها، وعلينا نحن في الأردن أن نتصرف على أساسها عندما نتعامل مع إسرائيل في كافة المجالات، ومن السذاجة أن نفتــرض حسن نية إسرائيل في كافة المجالات، ومن السذاجة أن نفترض حسن نية إسرائيل تجاه الأردن، أو أن الأردن منيع على الاختراق الإسرائيلي، فالمشروع الصهيوني مستمر، ولا يزال يسير حسب المخطط الذي يعتمد مبدأ المراحل، وهو مخطط يشمــــل فلسطين أولاً والأردن في مرحل لاحقــــة. والاستهداف يمكن أن يأتي بشكل مباشر أو غير مباشر. وتصريحات حاييم رامون أحد القادة المعتدليــــــن في حزب العمل أصدق تعبير عن نوايا وخطط إسرائيل تجاه الأردن، لذلك أقول إن السياسات الحكومية التي تسمح بل وترحب وتسهل كل أنواع التعاون مع إسرائيل هي سياسات خطرة، وحجم ونوعية وكيفية التعاون الثنائي بين الأردن وإسرائيل أصبح يشكل خطراً على الأمن الوطني الأردني. وسوف يأتي اليوم الذي نندم فيه عليها وعلى سكوتنا عنها.

 

ولن أبحث هنا في بعض أنواع التعــاون مع إسرائيل، لأنه يمثل خطوطاً حمراء لا أستطيع تجاوزها، ولكنني أستطيع الإشارة إلى التعاون التجاري والصناعي والزراعي والعقاري والاستثماري، الذي بدأ يأخذ أبعاداً وعمقاً لا يستهان به، ويشكل في رأيي خطراً على مصالح الوطن العليا، وعلى العلاقات العربية الأردنية وارتباطه بمحيطه العربي.

 

يبدو أن هناك نية كي تكون كافة الاستثمارات الجديدة لاستخراج الأملاح والمعادن من البحر الميت لتكون ضمن مشاريع أردنية إسرائيلية مشتركة، وتعمل شركة البوتاس العربية وواجهاتها الشركة القابضة لصناعات البحر الميت على بلورة هذا التوجه وبناء المشاريع المشتركة وبوتيرة متسارعة، وما مشروع البرومين وماغنيسيا أوكسايد إلا مثل على ذلك، كذلك تم مؤخراً إنشاء شركة قابضة للاستثمار مناصفة بين مؤسسة الضمان الاجتماعي وشركة كور الإسرئيلية، وبقدرة قادر تحول جزء من الدين الخارجي لإحدى الدول الأوروبية على الأردن إلى استثمار استفادت منه شركة إسرائيلية مسجلة للتمويه في هولندا، لتبني مع شركة استثمارية اردنية لها سجل عريق في الاستثمارات المشتركة مع الإسرائيليين، مجمعاً تجارياً ضخماً أمام مدينة الحسين الطبية.

 

وهناك خطط حكومية لإنشاء مناطق حرة ومناطق صناعية ومشاريع أخرى مشتركة مع إسرائيل على الجانب الأردني من وادي الأردن، ولا يوجد مشروع واحد منها سوف يتم تنفيذه في الأراضي الإسرائيلية، وسوف تدار هذه المشاريع بشكل مشترك بين الأردن وإسرائيل. وسوف ينشأ مجلس إقليمي مشترك لإدارة مشاريع أخدود الأردن، وحيث أن المشاريع بأكملها ستكون في الجانب الأردني، فان الادارة الإسرائيلية سوف تمتد إلى الجزء الأردني من الأخدود، وفي العادة فإن الحكومة الإسرائيلية تقوم بتقديم أنواع متعددة من الدعم لمشاريعها، وهذا قد يؤدي إلى أن تقوم إسرائيل ببناء البنية التحتية للمشاريع المشتركة على أرضنا وأن تمدها بالكهرباء مثلاً، كما أنها سوف تطالب باستيراد لوازم تلك المشاريع عن طريق مينائي حيفا أو اشدود بدلاً من العقبة توفيراً للتكاليف والوقت.

 

ويقوم الآن عشرات الأفراد بالتعامل مع شركات إسرائيلية في المجالات الزراعية والصناعية الزراعية، ويزعم أصحاب هذه المشاريع بأنهم بحاجة إلى الخبرة والتكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة في المجال، ولكن واقع الحال أن الأمر بدأ يتعدى هذا النطاق ليصــل إلى استئجار الأراضي واستغلالها مباشرة، ومعظم هذه المشاريع تتم في أكثر النقاط الجغرافية حساسية وهي وادي الأردن، كذلك فإن هناك العشرات من المشاريع الصناعية المشتركة بين الطرفين، ولا تقدم الولايات المتحدة الإعفاءات الجمركية والامتيازات للصناعات القادمة من الأردن، إلا إذا كانت من إنتاج شركات أردنية إسرائيلية مشتركة ومنشأة في المدينة الصناعية بإربد، وواضح أن الغرض الأمريكي من هذا القرار هو تكريس الاستثمار الاسرائيلي في الاردن، وهناك أمثلة أخرى كثيرة وفي قطاعات عديدة لا داعي لذكرها.

 

وإنني أتساءل والألم يعتصرني: لمذا نسمح لإسرائيل بالذات أن تكون شريكنا مناصفة في خيرات وثروات البحر الميت، بترول الأردن، بينما هي تملك كامل مشاريعها على الجانــب الآخر من البحر؟ ولماذا تقوم مؤسسة الضمان الاجتماعي التي فيها لكل أردني حصة، بمشاركة الإسرائيليين، وهي التي تملك مئات الملايين من النقد السائل؟ وهل اتخذ مجلس إدارة المؤسسة قراره بناء على معطيات فنية أم بقرار سياسي؟ وهل هناك نقص في رأس المال الوطني أو العربي أو تقاعس من قبلهما في الاستثمار في العقارات أو المشاريع التجارية في الأردن، لندعو الإسرائيليين بديلاً عنهم؟ وهل تعطى نفس التسهيلات الاستثمارية والإدارية للمستثمرين الأردنيين والعرب؟ وهل الأردن بصدد إيجاد تداخل سكاني وجغرافي وإدارة مشتركة في وادي الأردن مع إسرائيل؟ وهل ترغب إسرائيل بهذا تكرار ما فعلته بالخط الأخضر بينها وبين الأراضي الفلسطينية، عندما قامت عملياً بإلغائه وجعلته امتداداً لها ولسكانها وصناعتها؟ أم أننا نقوم بكل هذا من أجل إثبات أن السلام له ثمار لذيذة وأننا بدأنا بقطفها وأكلها؟ وهل سيبقى الوضع الاقتصادي سيئاً إلى أن يتمكن رأس المالي الإسرائيلي واليهودي من ايجاد نقاط ارتكاز أساسية ومفصلية له داخل الاقتصاد الأردني تمكنه في المستقبل من السيطرة عليه، مستغلين بذلك رخص الأسعار؟ لقد بلغ الوضع الاقتصادي والاجتماعي من التدهور والسوء درجة تجعل بضع عشرات من ملايين الدولارت قادرة على شراء أغلبية الأسهم في كثير من الشركات الأردنية ومساحات شاسعة من الأرض، فهل هذا هو المطلوب؟ وهل حقاً أصبحنا في الأردن مطمئنين لهذه الدرجة لنوايا إسرائيل تجاه الأردن، بحيث فتحنا لهم الأبواب مشرعة للدخول إلى كل زوايا الوطن والمجتمع؟

 

هذه الأسئلة تجيب عن نفسها، وهي وأجوبتها يتداولها الناس يومياً، إنني أهيب بوطنية وضمير كل أردني فرداً أم مسؤولاً إلى التبصر فيما نحن سائرون إليه، بعيداً عن الرغبة في المكسب المادي أو السياسي أو المعنوي، وبعيداً عن الأنانية وقصر النظر. وأدعوهم لإعادة دراسة التاريخ والمشروع الصهيوني وما حدث في فلسطين، وهو تاريخ ما زال ماثلاً أمامنا ونعاني يومياً من آثاره، نحن لا نملك حق التصرف بالأرض والثروات لأننا نقترضها من أجيالنا القادمة، وعلينا المحافظة عليها لأجلهم.

 

لقد كان تهميش مفهوم الأمة والرابطة القومية هو السلاح الأول والأساس الذي تبناه الغرب والصهيونية في دفعنا نحو هزيمة السلام كما هو حالياً، فلنعد إلى أصولنا وجذورنا وبعدنا، فهذه الأمة والله أقدم من حاضرها وأثبت من واقعها.