ذكرى مرورعشر سنوات على وفاة تقي الدين الصلح

ألقيت هذه الكلمة بذكرى مرور عشر سنوات على وفاة تقي الدين الصلح رئيس الوزراء اللبنانيفي بيروت 12/2/1999، شاركت في الذكرى كون أن آل الصلح أخوالي

 

هذا المساء طيب في لبنان العربي الحر، وهذه وقفة في مدارج التاريخ في بلد ابتكر الأبجدية وما غاب عن فعل التاريخ.

 

فسلام على لبنان، أرضه وأهله ورجالاته، وسلام على كل أرزة رعت جمرة العروبة والعربية، وشقت طريق الأمة يوم اعتلى الفتية الأحرار، صهوات المشانق في عاليه، من أجل الحرية والاستقلال، سلام من الأردن الذي قدمنا منه، وقد ودع سيد الرجال الحسين العظيم.

 

وسلام على تقي الدين الصلح الذي يجمعنا اليوم فيما دنيا العروبة تموج بفجر جديد.

 

تقي الدين الصلح له من اسمه نصيب، وتشهد ذرى لبنان، ويشهد أهل لبنان، أنه كان تقياً، لأن مخافة الله تقوى، وكان محباً للوطن مثل عاشق متيم، فحب الوطن تقوى، وكان محباً للناس، وكان على خلق، وكان نظيف اليد واللسان، وهذه كلها صفات في كتاب التقوى.

 

كان هذا كله وهو رجل سياسة، فقد فهمها تسامحاً وتصالحاً واعتدالاً وتفهماً، فأعطاها ما يليق بها من خلق كريم، وفهم نبيل حتى لاتنحرف إلى طرق المزاودة ودروب الانتهازية.

 

لست من جيل تقي الدين الصلح، وما تعرفت إليه عبر السياسة والعمل العام، لكنني عرفته من طريق جعلته أقرب من القلب والوجدان، فآل الصلح أخوالي وكانت عائلتنا تقطع الطريق في الصيف من نابلس الغالية إلى لبنان الحبيب، قد كنت فتى يتعرف إلى قامته العالية وملامح شخصيته الفذة، وقد رسخ في الوجدان أن حالة التوازن في شخصيته كانت أبرز صفاته، وأهم الأسباب التي قدمته إلى الحكم في واحد من أعلى مواقعه، وهي التي جعلته ملجأ لطالبي الرأي والمشورة، وكم كان رأيه مسموعاً ومقبولاً وناجزاً، في زمن كان الصدق فيه أهم ما يميز الرجال.

 

كان تقي الدين الصلح، ابن العائلة العريقة في السياسة وخدمة الوطن والأمة، حاضراً أبداً بثقافته الواسعة، ولغته العربية الناصعة، وكان الساعد الأيمن لطيب الذكر رياض الصلح، وكان أحد الأعلام الذين صاغوا الميثاق الوطني وقادوا ركب المجد من أجل لبنان الحر المستقل.

 

صعــب ان نقرأ تاريخ رجل كبير في كلمة قصيرة، لكنني أستذكر نضاله ونضال جيله ضد الانتداب، وفهمه العميق للعمل السياسي عبر الوسائل السلمية والطرق الدبلوماسية، وابتعاده المطلق عن حملة السلاح إنْ كانوا يسعون إلى فتنة أو إلى حرب أهلية، وكم كان كبيراً يوم رد على التنظيمات اللبنانية المسلحة يوم سمت نفسها "ممثلي المقاتلين" بقوله: "أنا ممثل المقتولين".

 

وحين رحل تقي الدين الصلح بعد أيام من ذكرى عيد الاستقلال، لملم لبنان الرسمي والشعبي روحه وذكريات تاريخه ومجده، وسار خلف جنازته موحداً، أقله في المشاعر والتمنيات.

 

هذا هو تقي الدين الصلح، كبرياء مستمدة من كبرياء وطنه، وواحد من أركان العيش المشترك في لبنان. وفي أشد الظروف حلكة، ظلت حكمته ماثلة، ودعوته للوحدة الوطنية والحفاظ على المثياق الوطني حاضرة، وكم من موقف شجاع وحازم سجل له في الأوقات الصعبة خاصة منذ اندلاع القتال سنة 1975.

 

كانت المرحلة التي عاشها تقي الدين الصلح تتمةً لمرحلةِ التحررِ من الاستعمارِ، وتثبيت الاستقلال الوطني والسعي إلى وحدة الأمة، وقد سبقه على الطريق رعيل متميز من أبناء الأمة كلها، التي ما هدأت ثوراتها ولا لانت قناتها، حتى أنجزت استقلال أقطارها، لكنها اليوم والقرن في هزيعه الأخيرتحتاج إلى مزيد  من الوعي على الحرية والديموقراطية والمساواة وبناء المؤسسات المدنية وتحقيق مشاركة الشعوب في التقدم، والسعـــي لحياة أفضل، خاصة أن الاستعمار قد أعاد تكييف نفسه ليدخل من ثغرات كثيرة، اجتماعية واقتصادية وإعلامية وثقافية تحت تسميات مضللة.

 

إن الطريق الوحيد للدخول في معترك الزمن الجديد، يرتكز على العلم والمؤسسية والبناء الديموقراطي، وهي قواعد للحافظ على الاستقلال وإنجاز شكل ما من أشكال وحدة الأمة، التي ناضل من أجلها تقي الدين الصلح ورفاقه من الوطنيين الأحرار على امتداد أرض الأمة كلها، وكم نشعر بالضيق حين نرى أننا في العالم العربي لم نوفق بعد في إنشاء الدولة القطرية الديموقراطية الحقيقية، القائمة على مؤسسات المجتمع المدني وسيادة القانون وتكافؤ الفرص والمساواة وتحقيق العدل، بينما نرى المثال الأوروبي الذي يفكك الدولة القطرية لصالح دولة الاتحاد الأوروبي الكبير.

 

إننا مطالبون قبل غيرنا، أعني النخبة من أهل الفكر والسياسة والثقاقة، بإعلان موقفنا المستند إلى رسالة واضحة تعتمد الخير والإصلاح والتقدم والمحبة والتسامح والأخوة ركائز لها، ومطالبون أيضاً بعدم التخلي عن إكمال مراحل الاستقلال والديموقراطية والوحدة، والدفاع عن حقوق الإنسان العربي وحقه في حياة آمنة كريمة، لا تشوبها مظاهر الانغلاق والانعزال والإقليمية.

 

إننا -إن فعلنا ذلك-نقترب من روح تقي الدين الصلح في لبنانيته الواضحة وعروبته المشرقة وألق مواقفه الحكيمة.

 

التحية بأبهى صورها إلى لبنان، ولكم خالص المودة، ولروح تقي الدين الصلح دعاء بالرحمة، ولأمتنا نداء بأن زمن مواجهة التحديات قادم، فقد اشتد هديره، فلتكن لنا نهضة جديدة ثابتة الأركان، عابقة بالحرية والكرامة والمساواة.