هل نتجه نحو صراع الحضارات

محاضرة القيت في منتدى الدستور الثقافي (جريدة الدستور) 4/4/2007

 

في محاضرة ألقيتها عام 1998، أي قبل ثلاث سنوات من وقوع أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، قلت: إن القرن التاسع عشر كان قرن الصراع بين القوميات، وإن القرن العشرين كان قرن الصراع بين الإيدولوجيات. وتساءلت حينها فيما إذا كان القرن الحادي والعشرون سيكون قرن الصراع بين الحضارات أو ربما بين الأديان.

 

وللحقيقة، فإنني لن أعطي جوابا شافيا عن ذلك السؤال في بداية هذه الكلمة، إذ سأستعرض بعض المقولات والمواقف، وهي مقولات ومواقف متناقضة متضادة في كثير من الأحيان، محاولا عرض ذلك ببساطة واختصار، ومتجنبا الدخول في متاهة النظريات الفلسفية أو الديالكتيكية، ومستعرضا، إنْ استطعت، الكيفية التي يفكر بها الإنسان العادي في كل من الشرق والغرب حول هذا الأمر.

 

الأزمة بين الحضارة العربية والغربية

لقد أصبح الاعتماد المتبادل بين الأمم وبين الحضارات سمة العصر، ولا أحد ينكر ذلك.

 

كما أنه لا يمكن لقوة أو حضارة واحدة أن تحكم العالم كما تريد، فهذا أمر ولى زمانه إلى غير رجعة، كذلك، فإن القيم المشتركة بين الحضارات باتت أمرا حتميا لا شك فيه، مهما كانت الهوة الفاصلة بين هذه الحضارات كبيرة أو صغيرة.

 

وفي الوقت ذاته، لا أحد ينكر أن هناك أزمة آخذة بالتفاعل بين الشرق والغرب، لا بل بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية بشكل عام، وها نحن اليوم نرى أن تلك الأزمة أصبحت تأخذ أبعاداً وأشكالاً متعددة في البلدان العربية والإسلامية، وكذلك في أوروبا والولايات المتحدة، على الرغم من اختلاف عامة الناس والسياسيين والمثقفين في العالم حول أسباب هذه الإشكالية أو الأزمة ونتائجها وإلى أين سيؤدي ذلك؟

 

يقول المفكر العربي محمد عابد الجابري إنه لا وجود لصراع الحضارات، بل ان صموئيل هنتنجتون حصر هدفه في الدعوة إلى الحفاظ على مصالح الغرب وان النموذج المهيمن على الفكر الغربي هو نموذج "الأنا" التي لا تتعرف إلى نفسها إلا عبر "آخر" تختاره هي أو تشكله وتصنعـه بالصورة التي تجعله قابلاً لأن يقوم بالوظيفة التي تريدها منـه وظيفة تأكيد"الأنا" لنفسها.

 

ويؤيد الكثيرون هـذا المنطق ويزيدون عليه أن سبب الصراع الحقيقي هو الرغبة في فرض الحضارة الغربية على أناس "في الشرق" يقاومون بشدة هذه المحاولة، ويرغبون الاحتفاظ بخصوصية حضارتهم وهويتهم، وأن الصراع يدور أيضاَ بسبب سعي الغرب للسيطرة على الموارد الطبيعية في العالم.

 

في الوقت ذاته، يؤكد المـؤرخ المعــروف ريتشارد بـوليت Richard Bullied في كتـــابه The Case for Islam-Christian Civilization أن عوامل التوافق بين الحضارة الإسلامية -المسيحية أكثر من عوامل الصراع بينهما. 

 

ويفند بـوليت كل ادعاءات المتطفلين على الحضارتين الإسلامية والمسيحية، وبخاصة أولئك الخبراء والمبشرين والمؤرخين وأصحاب المصالح الخاصة الذين بشروا بخطر الإسلام على الحضارة الغربية. ويتجاوز بوليت مشاعر سوء الفهم، وربما الحقد، بين الحضارتين ليقول: إن الفجوة يمكن ردمها تدريجياً. فقد مر كل من المجتمع الأوروبي والمجتمع العربي الإسلامي، على حد سواء، بمراحل التطور نفسـها، وواجها التحديات الداخلية ذاتها. لكن الدول المسيحية ازدادت ثراء وقوة وأصبح الدين أنه تراجع من حيث الثراء والقوة. أما وجهة النظر الثالثة فتقول إن العلاقة بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية تتجه نحو النزاع أو الصراع. وأنه، حسب رأيهم، لا مجال لإنكار ذلك، مستشهدين بأمثلة عديدة تؤيد وجهة نظرهم، ومنها مقولتهم إن الغرب معاد لنا، وإن الاثباتات والأدلة واضحة ومستمرة منذ قرون، بدءاً من الاستعمار المباشر لكل الأقطار العربية، ومرورا بإنشاء دولة إســـرائيل والسماح لها ببسط هيمنتها على المنطقة عبر الدعم الكبير لها، والسماح لها بالتوسع المستمر، وانتهاءً بتكوين ودعم أنظمة عربية عطلت مسيرة التنمية والديموقراطية والإصلاح، وأعاقت العالم العربي من أن يلتحق بركب الغرب المتحضر، علاوة على أن تلك الأنظمة شجعت ورعت قيام فئات و مؤسسات مجتمعية تسير في ركاب هذه الأنظمة، داعمة ومؤيدة لها المحافظون الجدد.

 

وبوقوع أحداث 11 سبتمبر 2001، وبوجود إدارة جورج بوش وقوة المحافظين الجدد في الإدارة الحكومية وفي المجتمع الأمريكي، تفاقمت احتمالات ازدياد حدة النزاع والصراع، إذ أصبحت نظرة الإدارة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين تتسم بالعدوانية، و تختبىء وراء شعار محاربة الإرهاب.

ومهما كان رأي هؤلاء أو أولئك، فإن على المجتمع العالمي، و بكل فئاته، أن يضطلع بواجبه الحضاري والإنساني في التصدي لتك المقولات والمواقف، والحيلولة دون ازدياد الصراع حدة، مستذكرين أن جذور هذه الإشكالية قديمة، و أنها بدأت تأخذ أشكالاً متعددة لأسباب عديدة من أهمها: ثورة التكنولوجيا والمعلومات، وانفتاح العالم على بعضه، ودخول مفـاهيم العولمة على مجتمعاتنا، وتداخل المصالح، واعتماد العالم والحضارة على النفط الذي يتواجد مخزونه الأكبر في مناطق العرب والمسلمين، يضاف إلى ذلك كله أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من اختباء الغرب وراء شعار محاربة الإرهاب وبدون دراسة جادة لمعرفة أسباب نشوء الإرهاب ومحاولة حلها.

 

الاسلام والحضارات:

عندما خرج الإسلام من الجزيرة العربية وانتشر في أنحاء واسعة من عالم تلك الأيام، وجد فيها حضارات عريقة متعددة منها: الإغريقية والمصرية والفارسية والرومانية، وكان معظم أهل بلاد الشام يدينون المسيحيـــة، فقبل "الآخر" وتعامل مع كل تلك الحضارات، وامتـــزج بها وذابت فيه، فظهرت، نتيجة لذلك، الحضارة العربية الإسلامية، والتي أصبحت، فيما بعد، الحضارة العالمية الأهم والأوسع.

 

ومع الوجود العربي الإسلامـي في الأندلس، انتقلت أجزاء هامة من الحضارة الإسلامية إلى أوروبا، وبخاصة في مجالات العلم والطب، وانتشر فضل هذه الحضارة على العالم. وما بداية النهضة العلمية الأوروبية أوالغربية إلا نتيجة ذلك.

 

سقوط القسطنطينية:

وبــدأ الأفول التدريجي للحقبة الإسلامية في شبه الجزيرة الايبيرية، عندما قام ملوك إسبانيا بطرد المسلمين واليهود منها إلى شمال إفريقيا، وإجبـار السكان على ترك الديانة الإسلامية، وهم جميعاً من أصول شرقية.

 

وهكذا أصبحت شبه الجزيرة الايبيرية مسيحية أوروبية مرة أخرى. وتزامن ذلك مع صعود الامبراطورية العثمانية المسلمة، وتوسعها السريع والكبير ووصولها إلى قلب أوروبا، وكان سقوط القسطنطينية نقــــــطة تحول رئيسية في تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، وبين الكنيسة الشرقية والغربيـــة، أصابــــت الغرب إصابة مؤلمة غائرة. فقد أنهى هذا الحدث الإمبراطورية البيزنطية إلى غير رجعــة، واستقر أمر الإمبراطورية العثمانية المسلمة كقوة عالمية جديدة ومرهوبة.وخلال الحقبة نفسها، ولأسبـــاب لا علاقة لها بهذه الأحداث، أغلق علماء المسلمين، في ظل الحكم العثماني باب الاجتهاد تدريجياً، وأصبحت الفتاوى والتفسيرات جامدة لا تواكب ركب الحياة الثقافية والسياسية أو الاجتماعيـة، فـي حين أن الإسلام في بداية نشأته وتوسعه قد تعامل واستوعب وقبل "الآخر" فإن تلك الحقبة العثمانية بدأت تشكك بالآخر، وتراجعت كل مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمعات العربية وفي منطقة الشرق العربي. بمعنى آخر، فإنه في الوقت الذي بدأت فيه النهضة الأوروبية والثورة الصناعية الغربيــــة انطلاقتها، وبدأ نفوذ الكنيسة المسيحية والفاتيكان يتراجع، وتم فصل الدين عن الدولة، كان العالم الإسلامي يتقوقع وينعزل ويتراجع. وعد بلفور والازمة بين الحضارات جذور الأزمة بين الحضارات، بدأت بسبب تلك الأحداث في تلك الأيام.

 

وكانت عوامل وتداعيات الأحداث متعددة تغذي أفكار كل مـن الطرفين، وأصبح كل طرف يلقي اللــوم على الطرف الآخر، فيقدم الشرقيون أمثلة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس وإسبانيا، ثم وعد بلفور وإنشاء إسرائيل كحاجز بين شرق بلاد المسلمين وغربها وشمالها، وعداء الغرب لكل ما هو عربي ومسلم، والاستغلال الجائر لثروات الشرق العربي من النفط وغيره. حيث يبدأ الفصل الأول من الأزمة بين الحضارات في الأزمنة الحديثة منذ 90 عاماً مع إصدار الحكومة البريطانية لوعد بلفور إلى مصرفي بريطاني يهودي هو روتشيلد، وقبول العالم الغربي، الذي بنى سياسته في المنطقة بأكملها عند ذلك الحين ولا زال على أساس هذا الوعد.

 

وبناء على ذلك، قامت إسرائيل عام 1948 وطردت مئات الآلاف من أبناء فلسطين تحت سمع العالم وبصره، وألغت الهوية العربية الإسلامية لتلك الأراضي، وقد ترافق ذلك مع توافق كل دول الغرب على ضرورة أن تكون قوة إسرائيل العسكرية أقوى من كل الدول العربية مجتمعة حتى تبقى لها الهيمنة الكاملة في المنطقة. وأكملت إسرائيل احتلالها لباقي فلسطين عام 1967، وبدأت تنفذ المخطط نفســه الـــذي نفذته في الأراضي التي اغتصبتها عام 48، فأقامت المستوطنات، و استولت على الأراضي، وغيّرت الواقع الديموغرافي فيها وما تزال تعلــن كل يوم صباحا و مساءً، إن القدس يجب أن تكون مدينة يهودية خالصة، فتعمــل على إقامة هيكلها على أنقاض الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، و بمساعدة الغرب لها من خلال سكوته وصمته، والقبول بتهجير السكان المقدسيين المسيحيين وقبولهم مواطنين في الولايات المتحدة وكندا واستراليا، وكأن القدس ليست مدينة مسيحية مقدسة.

 

 

جدار برلين وجدار الفصل العنصري:

وفي الوقت الذي أقام فيه الغرب الدنيا، فيما يتعلق بجدار برلين، ولم يقعدها إلا عند انهيار الجدار وزوال الاتحاد السوفياتي معــه، فإنهم التزموا الصمت وسكتوا عند قيام إسرائيل ببناء جدار الفصل العنصري، بل إنهم مولوا بناءه، وخدروا  العرب والمسلمين بإصدار مئات القرارات عبر الأمـــــم المتحــدة التي بقيت حبراً على ورق، وأرسلوا عشرات البعثات للاستقصاء وجمـع المعلومات، وكتبوا عشرات التقارير والتوصيات. كل ذلك حتى تستغل إسرائيل الوقت لتثبت أقدامها في أرض فلسطين الـ 48 ومن بعدها الـ 67، وتخلق علــى الأرض أمراً واقعاً سيزعم الغرب وإسرائيل أنه أصبح من الصعب تغييره الآن، وأن على العرب والفلسطينيين قبول ما يعرض عليهم. وكما  هو معروف فإن هذه المماطلة المستمرة منذ مئة عام، والضحك على ذقون العرب وتطبيق المعايير المزدوجة، أصبحت واضحة في أذهان ملايين المسلمين على أنها أسلوب غربي هدفه، كما قلنا، تمكين إسرائيل من تثبيت الأمر الواقع، وها هي النتيجة أمامنا واضحة اليوم.

 

احتلال العراق:

والعراق مثال بليغ آخر عند أصحاب تلك الحجج، فمن يدرس بتمعن أسباب وأهداف الاحتلال الامريكي للعراق، يجد أنهم أرادوا تحطيم دولة عربية محورية، ذات طاقة وإمكانية كبيرة تمكنها من أن تصبح قوة إقليمية يعتد بها وتجذب نحوها كل الكيانات العربية الصغيرة، و من أن تحيي الشعور القومي في الشارع العربي والذي ظهرت قوته وتأثيره وخطره عليهم أيام حقبة الثورة المصرية وقيادة جمال عبد الناصر وبالتالي، كان لا بد من إجهاض هذا الاحتمال خاصة أن العراق لديه كل مقومات الدولة من حيث التراث الإنساني والحضاري، والثروة النفطية والمائية، والمساحة والموقع الجغرافي وحدوده مع الجوار، وقد بدأ تنفيذ المؤامرة بإدعاءات وهمية، وظهرت بداية التقسيم على الأرض، ثم بشكل متواز، تم العبث بالتعايش المذهبي والطائفي، ووصل الأمر الآن إلى حد الحرب الأهلية بين المذاهب، وأصبح التقسيم أمراً واقعاً. وذهبت كل ادعاءات الاحتلال بأنها تعمل على وحدة أراضي العراق وسيادته، أدراج الرياح. فالأمر الواقع الذي فرضته قوات الاحتلال في العراق أمر لا يمكن إنكاره الآن، وهو  مبدأ الأمر الواقع نفسه الذي فرضه الانتداب البريطاني على فلسطين منذ وعـد بلفور، وهو أيضا مبدأ الأمر الواقع ذاته الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي اليوم في الضفة الغربية، و المطلوب من العرب قبوله والتكيف معه. وكثير من الناس، وأنا واحد منهم، لا يصدقون ولا يؤمنون بأن ما يحدث في العراق اليوم إنما هو نتيجة أخطاء ارتكبها الاحتلال الأمريكي بسبب عدم معرفته بحقائق الوضع العراقي، وأن  من الضروري افتراض حسن النية عند الأمريكيين.

ولا أحد يصدق أن إقدام الاحتلال الأمريكي على حل الجيش العراقي وكافة الأجهزة الأمنية وحل الدولة العراقية، كان نتيجة جهل أو خطأ، بل من المؤكد أن ذلك الأمر هو سياسة متعمدة مخطط لهـــا. ويؤمن الجميع بأن هذه السياسة الأمريكية في العراق لا تخدم المصالح الامريكية بقدر ما تخدم المبدأ الصهيوني الذي يدعو إلى تفتيت الوطن العربي وإعادته إلى مفهوم (حكم الملة)، وأن الاحتلال الأمريكي ما جاء إلى العراق إلا ليكون أداة في يد الصهيونية العالمية، لتفتيت الأمة قومياً ومذهبياً.

 

ويستمر أصحاب وجهة النظر هذه في إعطاء الأمثلة: وضع الجاليات المسلمة في أوروبــا والتمييز الـذي تعاني تلك الجاليات منه هناك، والخـــوف الاوروبـــي مــن تنامي ذلك الوجود في بلدانهم وبخاصة أن تركيا بملايينها السبعين تلح في الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي.

 

وجاءت أزمة الرسومات المسيئة للرسول الكريم في الدنمارك لتظهر كيف ينظر الأطفال الدنماركيون والجيل الأوروبي الصاعد إلى الإسلام والمسلمين، ومدى الاحتقار الذي أظهرته تلك الرسومات للاسلام.يضاف إلى ذلك اختيار البابا بنيدتكوس السادس عشر لذلك الاقتباس من دون آلاف الكتب والآراء التي تظهر سماحة الاسلام، وفضل الحضارة الاسلامية على أوروبا الحديثة، إن تلك الأمثلة كلها تدل على ما في النفوس، وتترجم تلك المشاعر والمظاهر إلى سياسات وأفعال تمارسها دول الغرب ضد الشرق وضد العرب والمسلمين.

 

أما المواطن الغربي العادي فله وجهة نظره المغايرة، ويقول: انه ليس معاديا للحضارة العربية الإسلامية ويعترف بكل إنجازاتها وبفضلها، ولكنه لا يتفق مع ممارسات تلك الحضارة التي بدأت تظهر حديثاً.

 

المجتمع الشرقي ليس ديمقراطياً:

ويجب أن نعترف بأن المجتمع الشرقي ليس ديموقراطياً ويختلف مع الغرب في المعايير والقيم والمفاهيم الإنسانية، وأن ذلك الاختلاف متأصل في المجتمع الشرقي. فالوحدة المجتمعية الأساسية في الشرق، وهي الأسرة، لا تؤمن بالعمل الجماعي. ولهذا، فإن المجتمع الشرقي تحكمه الفردية وبالتالي أصبحت أنظمته السياسية ديكتاتورية، في حين أن نظـــرة الغرب تختلف كثيراً عن نظرة الشرق نحو المرأة. فوضع المرأة في المجتمعين كليهما مختلف تماماً. لقد أصبـــحت هــــواجس المسلمين نحو الشرف تتقدم على المنطق واستعمال العقل. وأصبح التشبه بالسلف يطغى على التكيف مع مستلزمات الحياة العصرية واللحاق بالعصر. وفشل المجتمع الشرقي في المزج بين الاصالة والحداثة بشكل حقيقي إلا في بعض الحالات.

وفي الوقت الذي تزدهر فيه المسيحية والدول المسيحية، وأصبح الدين فيها لا يسير حياة الإنسان الغربي اليومية بل حياته الروحية، نجد أن الإسلام والمسلمين يسيرون في الاتجاه المعاكس، قائلين إن الإسلام السياسي يتحكم بقواعد شعبية عريضة لا يمكن تجاهلها، ويسير بالاتجاه المعاكس لفصل الدين عن الدولة، أو على تقوية مؤسسات المجتمع المدني. إن مؤسسات المجتمع المدني في الغرب أصبح لها دور مواز وربما مساو لدور الحكومات، وهذا ما تفتقدونه في المجتمعات الشرقية، مجتمعاتكم جامدة، ومجتمعاتنا ديناميكية ومتحركة وتتطور باستمرار.

 

وإلا لماذا عندما تحررت دول أوروبا الشرقية من الاتحاد السوفياتي ومن النظام الشيوعي، انقلبت مباشرة من دول ذات أنظمة شمولية ديكتاتورية إلى حكومات ديموقراطية تعتمد في حكمها على القانون وعلى مفهوم المؤسسات، بينما ظلت دول أواسط آسيا المسلمة التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي، وتحكم بنفس الطريقة التي كانت تحكم بها دول أوروبا الشرقية، دولاً ديكتاتورية تحكمها لغاية الآن أنظمة فاسدة، وتسيطر على مقاليد الأمور فيها نفس الوجوه القديمــة؟ ولماذا كل بؤر التوتر والصــــراع في العالم هي بؤر مسلمة أو بها مسلمون: من القوقاز إلى الفلبين وتايلاند، ومن الشرق الأوسط إلى البوسنة وكوسوفو.

 

إن معظــــم الإرهـــاب مصدره مناطق المسلمين، وكل الأعمال الإرهابية بدءاً من 11 سبتمبر في نيويورك ومرورا بلندن ومدريد، وإسرائيل ووصولا إلى قلب أوروبا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إنما قام بها مسلمون. أليست الأنظمة العربية في معظمها شبه ديكتاتورية وأصبحت الجمهوريات ملكيات بحيث يبقى رئيس الجمهورية هو وعائلته في الحكم طيلة عقود؟ قال لي مثقف أوروبي يوماً ما: إن من أهم إنجازات ونتائج الثورة الفرنسية أنها ألغت إلى الأبد مفهوم أن الأمة يملكها أو يتحكم بها شخص واحد أو عائلة واحدة أو حتى فئة واحدة، وانطلقت المفاهيم الديموقراطية في أوروبا منذ ذلك الوقت، واستقر المبدأ على أن الأمة هي مصدر السلطات، وأصبح مبدأ عالمياً ديموقراطياً أدى إلى تطور المجتمعـات. واستمر ذلك المثقف بالقول: أما أنتم في العالم العربي فما زلتم بعيدين عن ذلك، ولا تغرنا بعض المظاهر الديموقراطية التي نراها في بلادكم، فمؤسساتكم التي تبدو ديمقراطية هي مؤسسات غير فاعلة ومسيرة من الانظمة.

 

القومية والدين:

لقد كشفت أحداث عالميــــة متعددة أن القومية والدين والخصوصيات الثقافية، خاصة في بلاد الشرق، هي حقائق إنسانية متجذرة في أعماق حياة البشر. وإذا كانت حدّتها قد انخفضت في وقت من الأوقات تحت تأثير عوامل معينة "وهذا هو حال الأمة العربية حالياً" فإنها تعود بعد زوال هذه العوامل، وإذا ضعفت تحتل مكانها كعناصر أساسية ثابتة في الحقيقة البشرية. إن محاولات إلغاء الهوية القومية أو الثقافية أو الدينية، أمر لا يمكن تحقيقه في العالم العربي أو الإسلامي لا بفرض العولمة، ولا بالهيمنة الإسرائيلية، ولا بتفتيت العالم العربي إلى طوائف ومذاهب. وإذا كانت هذه الحقيقة البشرية تنطبق على العالم العربي، فإنها تنطبق أيضاً إلى حد ما على الغرب فـ"أنا" الغرب ليست موحدة، وظهور المسيحيين والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة بهذه القوة وهذا الانتشار يهدد وحدة مواقف ومصالح الغرب خاصة في ضوء توسيع الاتحاد الأوروبي الذي يوشك أن يشمل كل أوروبا. ومع الزمن، ومع توحد المصالح فإن هوية أوروبية هي في طور التكوين، وهي هوية لن تكون معادية للـولايات المتحدة، بل منافسة لها.وحتى نتجنب صراعاً بين الحضارات، يكون وبالاً على كل أقاليم العالم وحضاراته وأديانه، لا بد لنا من إبعاد الصبغة الدينية عن تلك المسألة، ويجب أن نعطي بديلاً عن ذلك، ونقول إن البديل عن صراع الحضارات هو صراع المصالح. ويبرر محمد عابد الجابري ذلك بالقول ان هذا البديل يفتــح المجال لمعالجة الصراع بشكل عقلاني، فصراع المصالح معقول، أي يمكن حصر أسبابه والسيطرة عليها، ومــن ثـم يمكن حله عقلانياً.

 

ويكون ذلك بالعمل على تحقيق الحد الأدنى من "توازن المصالح"، وتوازن المصالح هو أمر وبديل حضاري وإنساني وواقعي. وهذا، في رأيي، يتطلب مجتمعات متكافئة أو شبه متكافئة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وعلى العرب والمسلمين قطع هذه المسافة، ليس فقط لتجنب النزاع، ولكن أيضاً لصالح المواطن والمجتمع العربي والإسلامي. كما أنه لا بد لنا من إعطاء حوار الأديان أهمية وجدية واستعجالاً أكبر، ولا بد من حل القضية الفلسطينية حلا عادلا ومقبولا وإنهاء الاحتلالات الاجنبية في الوطــن العربي، وعلى الغرب أن يعي أن هذا أمر حيوي في هذا الاتجاه، وعليهم أن يهضموا هذه الحقيقة الأساسية، أخلص إلى القول إن العلاقة بين الحضارات ليست علاقة تصادم بل علاقة تداخل، والصدامات والصراعات التي حدثت داخل كل حضارة هي أكثر عدداً وأوسع تدميراً من تلك التي حدثت بين دول تنتمي إلى حضارات مختلفة.