قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني-قبل الربيع وبعده-

قدمت الورقة في المؤتمر الثاني لمراكز الأبحاث العربية الذي عقد في الدوحة – قطر بتاريخ 7/12/2013

 

لقد أثبت التاريخ الحديث أن قضية فلسطين التي ما زالت تبحث عن حل عادل منذ سبعة عقود، هي”المنصة" التي انطلقت منها سائر بؤر التوتر والصدام التي حلت بالمنطقة العربية، وبإقليم الشرق الاوسط كل، لا بل تعدت ذلك كله، لتكـــــون سبباً في تعميق أسباب الكراهية والعداء على نطاقٍ عالمي أوسع، بين شعــــوب عربية وإسلامية فعل الظلم فعله الوخيم في نفوسهـــا، ونفوس أجيــــــالها، وقــــوى دولية تتحكـــم بمصائــــــــر شعوب الكوكب كله، ولا يجد "العدل" متسعاً في سياساتها وقراراتها،إلا بقدر ما يخدم مصالحها هي، دون سواها من البشر.

فلسطين ليست مجرد أرض محتلة بالقوة العسكرية، وإنما هي أعمق من ذلك بكثير، في ذهنية العرب والمسلمين، ففيها القدس الشريف، حيث أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وفيها المسجــد الأقصى المُبارك، والصخرة المشرفة، معراج محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه، إلى السماوات العُل، وفيها مهد المسيـــح عليه السلام، والحرم الإبراهيمي الشريف وفيها الناصرة، وكل شبر وكل حجر فيها، هو ذو ارتباط وجدانيٍ إيمانيٍ مباشر، بمشاعر سائر العرب والمسلمين. ومن هنا، تنشأ الصلات الروحانية غير القابلة للنقض، جراء سياسات أو إجراءات أو مخططات، قد يعتقد المحتل وأعوانه عبثاً، بإمكانية شطبها أو نسيانها بفعل التقادم.

لست في معرض الحديث عن المكانة الدينية والقومية العروبية التاريخية لفلسطين، فذلك أمر لا يمكن لأحد التحايل عليه، مهما طال الزمن، لكنني أرغب في التذكير بأبرز الظروف التي نشأت منذ النكبة الأولى وحتى اليوم، لعلَّ في ذلك جواباً عن سؤال كبير ظهر في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة الأمــريكية بالذات، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المؤسفة عام 2001، عندما بدأ الغربيون يتساءلون، لماذا يكرهوننا! وهو سؤال نسأله نحن العرب والمسلمين للغرب: لماذا تكرهوننا.

أولاً: لم يكن قيام دولة إسرائيل في حدود عام 1948، مستنداً إلى حق تاريخي أبداً، وإنما هو نتاج سياسة استعمارية، رأت أن مصالحها الإستراتيجية المستقبلية، تقتضي ذلك، ولهذا جاء وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وتهجير أهلها الشرعيين في طول البلاد وعرضه، لاجئيين متمسكين بحق العودة إلى الوطن. ومن أغرب المفارقات في الزمن الراهن، إن هذا الوطن القومي الذي نادى به المستعمرون فيحينه، يتحول تدريجياً، إلى وطن ديني. فإسرائيل اليوم، تسعى من أجل دولة لليهود وحسب، لا وجــود فيها لأتباع أي ديانة أخرى، بما في ذلك مواطنوها العرب، من المسلمين والمسيحييـــن، إن وعد بلفور المشؤوم، نادى بوطن قومي لليهود، فمتى كانت العقيدة الدينيةْ، مصدر إلهام للقومية؟

ثانياً: كان العرب قبل العام 1967، يطالبون بعودة فلسطين عام 1948، كحق تاريخي لهم. وبعد حرب حزيران عام 1967، وسقوط فلسطين كاملة تحت الاحتلال، بما في ذلك القدس، قبل العرب والفلسطينيون، بدولة على جزء من فلسطين، وصدرت من أجل ذلك، قرارات دولية عديدة، أًضيفت إلى قائمــة القرارات الأولى، لتحفظ تلك القرارت كلها، في أدراج الأمم المتحدة، دون تنفيذ لايٍّ منها حتـــى اليوم. وليبدأ العرب مسيرة سلام ثنائية.لا بل قدموا للعالم، مبادرة سلام تكفل بقاء وأمن إسرائيل، داخل حدود عام 1967، وبضمانات دولية، تؤسس لسلام شامل ودائم، وبقبول عربي كامل.

ثالثاُ: جاء الرد الإسرائيلي على النحو التالي:
رفض قاطع للمبادرة، ولجميع قرارات المجتمع الدولي، ورفض كامل لمجرد الحــديث عن إعادة تدويل القضية بحثاً عن حل عادل تفرضه إرادة المجتمع الدولي. لا بل، وإمعانٌ في الاستيطان والتهويد والتهجير، ومحاولات كسرٍ لإرادة التوق للحرية والانعتاق في ذهنية الشعب الفلسطيني، وتجاهل كامل لمجرد استــذكار حق العودة، وطمسٌ ممنهج للمضمون والمعالم التاريخية لعروبة فلسطين، وأية مضامين دينية إسلامية للقدس والمقدسات الإسلامية، وحصار مستحكـــم للشعــــب الفلسطيني تحـــت الاحتلال، وبناء جُدٌرٍ عنصريةْ، من جانب "دولة" طالما تباكت وما زالت، على قيم السلام والتعايش والتسامح، أمام داعميها والمؤسسين لوجودها وتفوقها في الغرب كله (فهل هناك جريمة أبشع من هكذا جريمة، وهل هناك إرهاب دولة أسوأ من هكذا إرهاب، عندما يحيط المجرم نفسه، بأسوار عنصرية تقطع أوصال الضفة والقطاع، وتحجبه هو عن جواره).

رابعاً: تزامن ذلك الحلف الإسرائيلي مع تواطؤ دولي مكشوف إلى جانب المحتل، ونصرة سياساته ومخططاته العدوانية، ومسلسل القتل الممنهج ضد الشعب الفلسطيني، والاستحواذ على أرضه وحقوقه، ومواصلة أسر المقدسات والكرامة العربية والإسلامية، لا بل والإمعان في قتل كل محاولة للمطالبة بالحق، أو مقاربة المقاومة من أجل استعادة الحق، وتجاهل لجميع القرارات الدولية الصادرة بإرادة المجتمع الدولي، والتي تطالب دولة الاحتلال بإنهاء احتلالها، والإقرار بحق الشعب الفلسطيني، في تقرير مصيره.
خامساً: ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فتفوق إسرائيل عسكرياً، حتى وهي مجرد دولــة متمردة يحرص الغرب على ضمانتها، والدعم الهائل المستمر لها لا ينقطع، حتى وهي تحتل أرض الغير، فهم ملتزمون بدعم تفوقها، داخل وخارج حدودها على حد سواء، وهم يؤيدون بقاءها خارج إطار مجرد المساءلة عن جرائمها، وفوق القانون الدولي، الذي يحرصون على تطبيقه ضد العرب والمسلمين، أمـــا إسرائيل، ففي كفة، والعرب والمسلمون جميعاً، في أقل من كفة، حتـــى وهم يطالبون بحقهم منقوصاً، ومن يجرؤ منهم على الرفض، فهو إرهابيٌ يجب ملاحقته، وبموجب القانون الدولي ذاته، ثم يسألون أو يتساءلون بقولهم: لماذا يكرهوننا؟؟

لقــد أفرز هذا الواقع التاريخي المرير، وما يتعرض له العرب من ظلم كبير نسبة إلى قضية فلسطين، وما أفرزت تلك القضية العادلة من مخرجات مؤلمة، واقعاً عربياً جديداً يقوم على أمور عدة، من أبرزها:

1. استفحـــال الشعور الجماهيري العربي بالظلم والذل وهدر الكرامة، لا بل والعجز عن مواجهة هذا الظلم، وتنامي وتيرة الاحبــاط، وإدارك حقيقة أن إسرائيل الغازية والمستعمرة لأرض ومقدسات ومشاعر الآخرين، ما كان لها أبداً، أن تُمعن في استباحة كرامة العرب تحديداً، والمسلمين عامة، وأن تطال يدها كل من يحاول تعكير صفو مخططاتها وسياساتها العدوانية والإجرامية، لولا الدعم الغربي الذي يمنحها المزيد من شهية القتل، والتدمير، والتشريد، والهيمنة.
2. ومما زاد في هذا الشعور، أن الأنظمة العربية كلها استغلت أولوية القضية الفلسطينية على أجندة الجماهير العربية في كافة أقطارهم ومذاهبهم السياسية والالتزام المطلق بضرورة تحرير فلسطين، أقول استغلت هذه المشاعر والالتزامات بأن رفعت شعارات تدعو إلى التركيز على تقوية الأجهزة العسكرية والأمنية وتعزيزها بالأسلحة والمعدات لأن لا شيء يعلو فوق صوت المعركة، ونتيجة لهذه الشعارات غير الصادقة سواء في تحديد ومراقبة هوية التعبير أو الممارسات غير الديموقراطية وحتى الأحكام العرفية والتعسفية فظهرت وكبرت الصراعات والنزاعات والعداوات والاختلافات بين الشعب والأنظمة.
3. وكان الهدف من رفع هذه الشعارات غير الصادقة، مصادرة حقوق الشعوب العربية في حرية التعبير وبناء نظام ديموقراطي يلبي مطامح الشعب، بل إن هذه الشعارات والحجج كانت الطريق لفرض الاستبداد عليهم.
4. وكنتيجة لهذا الشعور العارم بالظلم، والإذلال المقصود بات المواطن العربي والشعب العربي في كافة أقطاره علـــى قناعة بعجز دولهم عن مجابهة هذا الواقع المــر، وبالتالي ألقت الشعوب باللائمة على حكامها، وأتهمتهم بالتخاذل والخضوع لإرادة الغرب الداعم لإسرائيل وجرائمها، إذ يشعر العربي بخيانة الغرب له ولمشروعه السياسي وأنه يُقتل بسلاح الغرب، وأن كرامته تُهدر بوسائل غربية، وأن مقـــدساته تدنس بحماية غربية، ومع ذلك فهو يرى أن حكومات بلدانه تحابي هذا الغرب الحامي لإسرائيل، والمدافع عن سياساتها، والضامن لعدم تعرضها لأية مساءلة دولية، في حين يُعاقب العربي فوراً، وبالمساءلة الدولية ذاتها.
5. أنتج هذا الواقع التاريخي المؤلم، حركات متمردةْ، تخرج عن طوع حكومات بلدانها، بعد أن فقدت الثقة بها، ولذلك، فقـــد تعددت الحركات السياسية المسلحة وغير المسلحة التــي تعادي الغرب وإسرائيل معاً. وتنعت وسائلها، وضعف بعضها. إن لم بكن معظمها في خانة الإرهاب الملاحق دولياً.
6. لم يتوقف الأمر عند هذا، فقد خرجت الشعوب على قادتها وحكومات بلدانها، في العديد من أقطار العرب، وعبرت تلك الشعوب المسكونة بهاجس الظلم والإحباط، عن رفضها للواقع الذي تعيش، وطالبت بالحرية والكرامة والديموقراطيـــة، وأعلنت رفضها القاطع لاستمرار العجز العربي عن مقارعة الظلم، في وقت يمتلك فيه العرب، كل أسباب القوة وفرض الوجود والقدرة على استعادة الحق، ووقف جرائم المحتل الإسرائيلي وإرغامه على مغادرة الأرض العربية، والمقدسات الإسلامية فكان الربيع العربي.
7. الأمر المؤسف، أن الربيع العربي، وفي ظل حالة التشتت ودهاء الصهيونية والغرب، صار وبالاً على كثير من العرب، إذ تذهب ثماره لصالح غير العرب، ولصالح إسرائيل بالذات، عندما يتم تحويل الربيع عن مساره، لا ليصبح صداماً داخلياً بين العرب في القطر الواحد، لا بل وحتى وعندما يكون صداماً مذهبياً يُذكي نار الفتنة الطائفية بين الأديان والمذاهب والطوائف، وإشغال العرب والمسلمين بهذه الفتنة التي تجد من يؤجج نارها، خدمة للأهداف الصهيونية، حيث تستعر وتيرة الاستيطان والتهويد والهيمنة، بينما تشهد الأقطار العربية المزيد من الدمار والاقتتال، وتنامي الأحقاد والكراهية بين العرب أنفسهم، وفلسطين تضيع، والأقصــى يضيع، والمقدسات تضيع، والعالم يرقب المشهد سعيداً بما يجري، ومع ذلك، يتساءل نفر من أصدقائنا في الغرب بقولهم...لماذا يكرهوننا!!

هذا هو المشهد في مجمل تفاصيله، وهو مشهد مؤلم ومستحكم، لكن تجاوزه ليس بالأمر المستحيل، ولن يتوقف الغرب عن دعم آلة الظلم والقهر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، والقـــدس والمقدسات. ولن تتوقف إسرائيل عن مواصلـــة جرائمها، إلا إذا أعاد العرب حساباتهم، ووظفوا منطق القوة التي يملكون، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في تأكيد حضورهم ومكانتهم، وإصرارهم علـــى جلاء المحتل، وإرغامه على احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على أرضه المغتصبة، وعاصمتها القدس، والإقرار الكامل بسائر الحقوق الفلسطينية والعربية، وعلى رأسها حــق العودة المقدس. وبمقدور العرب، إن توفرت الإرادة الصلبة، فرض حضورهم كقوة عظمى وهم كذلك، على الموائد السياسية الاقليمية والدولية كافة، وفرض مشروعهـــم العربي نقيضاً لكل مشروعات الهيمنة الإسرائيلية، والإقليمية والدولية.وبمقدورهم كذلك فرض إرادتهم بالتوازي مع إرادة المجتمع الدولي، والكف عن المواقف الكلامية والتي تقتصر الإدانة والاستنكار.

قضية فلسطين اليوم في أخطر مراحلها، الوطن الفلسطيني في خطر وجميع المقدسات الإسلامية والمسيحية، مهددة بالانهيار والضياع، إذا ما استمرت يد الإجرام الإسرائيلية طليقة تصنع ما تشاء.

وفلسطين اليــــوم بأمس الحاجة إلى موقف عربي قوي قادر على التأثير الفعلي. والشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، بأمس الحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي المباشر، دعماً لصموده، وديمومة مؤسساته، في مواجهة المشروع الصهيوني، الذي تتواصل إجراءته على الارض تباعاً، وسط صمــت وغياب عربي ودولي مريب، بينما يستمر مسلسل الظلم والقهر والاستباحة، بحق الشعب الفلسطيني، والوطن الفلسطيني، والمقدسات كافة، مسنوداً بتجاهل القوى الكبرى، التي ما انفكت تتحدث عن الشرعية والحرية والديموقراطية وحقوق الانسان، بينما تطلق يد إسرائيل لانتهاك هذه القيم كلها.