كلمة تأبين إبراهيم أبوعياش

ألقيت هذه الكلمة في أربعين إبراهيم ابو عياشأحد رموز العمل الوطني الأردني والفلسطيني بتاريخ 17/8/2013 في المركز الثقافي الملكي

 

بداية، لا بد أن أشير بالإعجاب والتقدير إلى مثل هذه المبادرات الطيبة، حيث يلتقي أبناء الشعب الواحد، والوطن الواحد، لاستذكارمناقب من فقدوا، والحديث عن إنجازات رجالاتها، في مشهد يعبر عن عمق التواصل والتكامل، وعن الوفاء الذي يكنه الأردني لأخيه الأردني. وما هذا اللقاء الطيب، وهذا الحضور الكريم، إلا التجسيد الحي الصادق لهذه القيمة الإنسانية الأصيلة، والتي أدعو لصونها في كل الأوقات والظروف، وفي سائر شؤون حياتنا.

 

وها نحن اليوم نقف أمام سيرة ومسيــرة لقامة أردنية عروبية لها وزنها، انتقلت إلى الرفيق الأعلــى، بعد حياة حافلة بالنضال والعمل والإنجاز والعطاء والتجرد. فقد كان المهندس إبراهيم أبو عياش -رحمه الله-مناضلاً صلباً، وطنياً عروبياً صادقاً ملتزماً، أعطى في شتى الميادين التي انخرط فيها. وكانت رحلته النضالية من أجل فلسطين وعدالة قضيتها والدفاع عن حقوق شعبها، علامة مميزة في حياته، وفي مسيرته المباركة.

 

لقد جسد فقيدنــا وحبيبنا المهندس إبراهيم عبد الحميد أبو عياش، تجربة جيل أردني وفلسطيني بأكمله.فقد ولد في بيت أمر، بعد عشرة أيام من فك إضراب الستة أشهر في فلسطين في 22/10/1936. وتلقى تعليمه هناك قبل أن ينتقل إلى ثانوية الحسين بن علي في الخليل، وكان يقطع كل يوم مسافة 10 كيلومترات ذهاباً وإياباً سيراً على الأقدام ليصل إلى المدرسة.وقد تفوق في دراسته، وحصل على المرتبة الأولى على طلبة المملكة في الضفتين في شهادة "المترك"، التوجيهي فيما بعد (كان عوني المصري من نفس دفعته، وحل خامساً على المملكة. وكذلك السيدة انتصار عباس جرادنة، وكان ترتيبها الخامسة على الإناث). وحصل الفقيد على بعثة لدراسة الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت، عندما كان د.خليل السالم مديراً للبعثات في وزارة المعارف، إذ اعتذر عن تلبية رغبة د.خليل الذي أراد أن يرسله لدراسة الفيزياء. وواصل دراسة الهندسة، وتخرج في الجامعة العام 1959 بتفوق.

 

كانت سنوات الخمسينيات من القرن الماضي مكتظة بالأحداث الوطنية، منذ بداية الشتات الفلسطيني عــام 1948، ثم الوحدة الأردنية-الفلسطينية، مروراً بالثورة المصرية، وتفاعلات حلف بغداد، وتداعيات ذلك على الأوضاع في الأردن، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، والوحدة بين مصر وسورية، والاتحاد الهاشمي وحله. هذه الأحداث المصيرية أججت في فقيدنا الروح الوطنية والنضالية، ونمت فيه كل الخصال الإنسانية الكريمة. وكان من الطبيعي جداً، وفي السياق التام لنهجه وقناعاته، أن يترجم حماسه وإيمانه بالفعل والعمل. فذهب مع بعض زملائه وأصدقائه (وأرى بعضاً منهم بين الحضور؛ عوني الساكت وعلي سحيمات) إلى معسكر قرب حمص للتدريب العسكري، استعداداً للانضمام إلى المقاومة في السويس.

 

وعندما انتقل إلى الولايات المتحدة ليكمل دراسته العليا في إحدى جامعات ولاية جورجيا، كانت حركة تحرير السود في الولايات الجنوبية في أوجها، وتعرف على قائد هذه الحركة مارتن لوثر كنغ وتعامل معه.وعاش هناك في نفس الأجواء الثورية التي عاشها أثناء دراسته في بيروت، وازداد إيماناً بعدالة قضيته، وبضرورة عدم الاستسلام للأمر الواقع.

 

أما المرحلة الثالثة من حياته، فقد بدأت في عام 1963؛ عندما أنهى دراساته العليا، وعاد إلى الأردن، حيث بدأ ممارسة الحياة العملية والنضالية. وقد جاءت عودته متزامنة مع بداية مرحلة جديدة للقضية الفلسطينية، إذ بدأت حركة فتح في التكون والتأسيس، بهدف إبراز الهوية النضالية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، بدأ بتكوين مستقبله المهني بتأسيس مكتب هندسي مع المهندس محمد فياض، وخاض انتخابات نقابة المهندسين على قائمة المهندس جعفر الشامي عام 1968، وحظي بمنصب نائب النقيب. وقد انتُخب نقيباً للمهندسين الأردنيين لدورتين متتاليتين. كما انتخب نقيباً للمهندسين العرب. وفي عهده، عمل على تحويل نقابة أصحاب المهن الهندسية إلى نقابة منشأة بموجب قانون خاص بها. وعمل جاهداً ضد أقلمة نقابة المهندسين الأردنيين، بتحويلها إلى نقابة مهندسين مشتركة؛ أردنية فلسطينية، وأصر على الفصل بينهما. وفي عام 1971 أصبح عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني كمستقل، والمجلس المركزي لمنظمة التحرير. وبقي عضواً في المجلسين لغاية وفاته.

 

أردت أن أستعرض معكم هذا التسلسل التاريخي للمراحل المفصلية من حياة أبو العبد، إبراهيم أبو عيـــاش، لنرى كيف تلازمت الحقب الثلاثة من حياته في صقل شخصيته الوطنية، وإظهار طموحه الوطني، ونضوجه وتجرده وعقلانيته. ولا نملك في مثل هذه اللقاءات الوجدانية المعبرة، إلا أن نؤكد بمنهجية وجدانية صادقة، تجذر بذرة العلاقة الإنسانية بين سائر مكونات شعبنا الأردني الواحد، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. وكذلك تجذر مشاعرنا الإنسانية الموحدة الصادقة نحو الإخوة الرازحين تحت سطوة وظلم الاحتلال، ونحو القدس الشريف وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتزامنا الثابت والنهائي تجاه هذه القضايا.

ولست أخال أن أحداً في هذه الدنيا يمكن أن يضاهي التزامنا أو مشاعرنا نحن الأردنيين على هذا الصعيد، فكلنا فلسطينيون في مواجهة المشروع الصهيوني، وفي إبراز الهوية الفلسطينية والكيان والدولة الفلسطينية المستقلة على أرض فلسطين وعاصمتها القدس؛ وكلنا أردنيون في حماية الأردن والحفاظ على كيانه وبلورة هويته الأردنية، ورفض أي حلول بديلة، والتي ستكون بالتأكيد ضارة لكل من الأردن وفلسطين.وقد مثل فقيدنا هذه الحاله؛ فنشأته في فلسطين، وجعلها قضيته الأولى، لم يتعارضا مع عمله الدؤوب كمواطن أردني ناجح ووطني. وخلفيته الفلسطينية، وحياته وهويته الأردنية، متلازمان. وهذه نقطة قوة للمجتمع الأردني.

 

لقد ولد هذا الشعور من رحم المعاناة والعذاب والتضحيات التي جعلت من الأردن وشعبه الواحد في مقدمة صفوف المضحين من أجل القضية، والداعمين لصمود شعبها، والمدافعين عن عدالتها. وجلالة الملك عبدالله الثاني في طليعة من يحملون همّ القضية، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. ولا أبالغ أو أجامل إن قلت إنه ربما يكون الزعيم العربي الأكثر اهتماماً بهذا الشأن، وربما الوحيد.

 

إنها مسيرة مشرفة مشتركة، نستحضر فصولها في كل المناسبات، تماماً كما في هذه المناسبة التي نتحدث فيها عن مناقب الفقيد المناضل.وهي مسيرة تجسد في اللحظة ذاتها عظيم حبنا لوطننا العزيز الأردن، وحتمية تلاحم صفنا الواحد، على طريق البناء والإنجاز والإصلاح، وصولاً إلى أسمى مراتب التقدم في بناء الوطن الأنموذج المميز، مستندين إلى عظمة عروبتنا، وعظمة عقيدتنا السمحة، وعظمة إرادتنا كأردنيين مخلصين للوطن وللقضية الفلسطينية، واثقين من قدرتنا بعون الله على تجنيب الوطن كل الشرور والمخاطر والتحديات.

 

رحم الله فقيدنا العزيز.والعزاء الخالص لأسرته الكريمة، والثناء على سيرته الطيبة ونضاله المميز، منا جميعاً.