على ماذا نختلف؟

نشر هذا المقال في جريدة الغد بتاريخ 13/2/2014 ونشرته أيضاً مواقع إلكترونية أخرى. جاء المقال في وقت ازداد فيه اللغط والمخاوف حول ما سمي في حينه خطة كيري للسلام

 

مما يُثير الدهشة والاستغراب معاً، ذلك التجاذب السياسي الدائر بين بعض السياسيين والاعلاميين في بلدنا، حول مـــا يتسرب من معلومات أو اجتهادات أو تحليلات ذات صلة بما يسمى (خطة كيري للسلام). وأدى ذلك إلى تجاذب ينطوي على حالة من الاستقطاب والتحشيد والتحريض والتكهنات وإثارة التنازع بين أبناء ومواطني البلد الواحد. ويتم ذلك في وقت عصيب للغاية نحن أحوج ما نكون فيه إلى تعظيم التماسك الاجتماعي والبحث عن القواسم المشتركة وليس الفوارق المشتركة، وتعزيز مقومات وحدتنا الوطنية في مواجهة اخطار جسيمة تتهددنا جميعاً ولن تستثني احداً منا.

 

مصــدر الدهشة والاستغراب هذا الذي يخالط ذهنية سائر العقلاء ومدعي الحكمة، أن هذا التجاذب غير المحمود يأتي في وقت ترشح فيه تسريبات عن أفكار وخطط قد تؤدي إلى تصفية، وليس حل، القضية الفسطينية في زمن عربي صعب عنوانه، الضعف والهوان، وزمن اردني صعب كذلك عنوانه حالــة استعصاء اقتصادي وسياسي يفرز أوضاعاً اجتماعية صعبة ومعقدة للغاية جراء الفقر والبطالة والغلاء، وجراء عدم تلمس المواطن لوجود تغيير يذكر على حياته المعيشية أو المالية أو السياسية.ليس أقلها ما نشاهده من العنف المجتمعي والجامعي، وما يثار باستمرار عن مدى احترام هيبة الدولة وقدرتها على تنفيذ الخطط والبرامج الكفيلة بإخراج البلد من هذا الواقع. واختلت أسس ومفاهيم عديدة في الإدارة العامة والتعليم بشقيــه، وعادت الظروف المالية المختلة والصعبة إلى سابق عهدها، ليس بسبب الوضع المالي العالمي وحسب، ولكن لاسباب تتعلق بسوء الإدارة. وتَرَاَجَع مفهوم الدولة، لصـــالح انتماءات وهويات فرعية صغيرة تعتمدعلى صلة الدم أكثر مما ترتبط بالمفهوم العام للانتماء للوطن. وأدى ذلك الاستعصاء إلى تغيير سلبي على المجتمع والفرد، وهو يؤدي إلى تشرذم مجتمعنا الذي يجب أن يبقى مثالاً وقدوة تحتذى في مجتمعنا العربي الأوسع.

 

ومصدر الدهشة والاستغراب كذلك، هو التساؤل المشروع عن حقيقة أن هذا التجاذب الخطير لا يمكن فهمه دون أن يؤدي إلى نقل الخلاف والتنازع إلى الداخل الاردني حول أفكار وتسريبات يُفترض أن الاردنيين جميعاً، ومـــن كل المشارب والأطياف، مجمعون سراً وعلناً على رفضها والوقوف في مواجهتها، خاصة وأن الجميع يشعر بانهائها فرصة للأعداء لتصفية القضية الفلسطينية (وليس حلها)، والالتفاف على الحقوق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني في وطنه، وتهديداً للاردن ولأمنه وسلامته وهويته الوطنية الراسخة، في ظل الحديث المتكرر عما يسمى بالوطن البديل ومن تطلعات عدوانية لا وجود لها إلا في الذهنية الإسرائيلية.

 

على خلاف ما يجري من تجاذب ضار يمارسه بعضنا في هذا الأوان، فأنا أعتقد جازماً أن الواجب وطنياً وقومياً وإنسانياً وحتى أخلاقياً، يتطلب منا تفويت الفرصة على العدو المشترك لزرع الفتنة والفرقة والطائفية والتعصب، إزاء أمر خطير لا خلاف بيننا أبداً على رفضه جملة وتفصيلاً، فإذا لم نتمكن نحن المواطنين الشرفاء الواعين والأحزاب والمجتمع المدني والوطنيين الأحرار من الوقوف صفاً واحداً متماسكاً الخطر ونحن متفقون على رفضه، فإننا بذلك نكون قد فرطنا بأمننا واستقلالنا وفرطنـــــا

 

بمستقبل أبنائنا. ويجب على كل هذه المجاميع الرسمية والأهلية والمدنية وكل نخب الاردن أن تتفهم جيداً أن المروج لهذه الأفكار هي مصادر معادية خبيثة همّها النخر في عظم المجتمع الاردني وتهيئة الفـــرص والأرضية لإحداث الشرخ وشق الصف ثم الاقتتال بين الأهل وأبناء الوطن، فهم يريدون أن يلحقوا الوطن الاردني بدول السوار الملتهب حولنا لتكتمل حلقة العنف والدمار والانقسام في الأمة العربية.

 

لذا فإنها أيام تاريخية ومصيرية في حياة الوطن الاردني والقضية الفلسطينية. فدعونا لا نجعل النوازع والعصبيات أو الإحباط أو الخلاف يقف في طريق تصدينا لهدا المد القادم علينا، وعلى أصحاب القرار على مختلف الصعد الدعوة والعمل معاً على وقف هدا التجاذب أو الإنقسام والتشرذم الدائر بين بعض الافراد والاطراف والقوى. وإلا، فلن يكون بمقدورنا إن نحن استسلمنا أو ضعفنا أمامها، أن نواجهها بما تستحق من إصرار على حتمية أن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، هناك على الارض الفلسطينية، وأن يتجسد حق العودة للّاجئين باعتباره حق لا مساومة ولا تهاون ولا تفريط فيه.وأن يدرك العالم كله أن الاردن ليس وطناً بديلاً لاحد، ولن يكون. وأن هويتنا الوطنية الأردنية ليست أمراً قابلاً للنقض أو الانتقاص. وأن وحدتنا الوطنية على قاعدة التشارك في الهدف والمصير، حالة صلبة مستقرة لا مجال للمساس بها من جانب أي كان. كلنا متفقون على ذلك، إذن على ماذا نحن مختلفون؟؟

 

إن من الضرورة بمكان، أن تجلس القوى السياسية الأردنية كافة، لتتحاور وتتبادل الرأي والمشــورة بكل وضوح وموضوعية حول ما يتهدد وطننا من أخطار تؤدي إلى التشرذم وتهديد السلم الاهلي، وصولاً إلى تجلية موقف واضح محدد منها، وبصورة تغلق كل الأبواب والنوافذ أمام كل أسباب ومحاولات الفرقة والتشرذم وإثارة نوازع الفتن، وتلك مهمة غاية في الأهمية ونبل الهدف، لا أن تترك ساحات وفضاءات الوطن نهباً للاشاعات والتسريبات والاجتهادات المبينة على الهواجس أو نقص في المعلومات وتشويهها. أو تلك المتولدة عند البعض بغير وعي للمفاصل التاريخية في حياة الأردن وفلسطين وفي امتزاج الدم. أو حتى تلك التي تتجاهل كونأنه لا تناقض أبداً بين الهوية الاردنية الوطنية هنا على الأرض الأردنية، والهوية الفلسطينية هناك على الأرض الفلسطينية.وأن التاريخ النضالي للشعبين متداخل ومتماسك.

 

إنها دعوة صادقة هدفها التمسك باستقلال الاردن والمحافظة على هويته وإبقائه حراً أبياً عصياً على الاختراق والمخططات الظالمة كما هي دعوة هدفها أن تعود فلسطين شقيقة الأردن حرة أبية محررة.