Image
Image

حركـــات الإسلام السياسي في الوطن العربي-التحديات والآفاق

محاضرة ألقيت في مركز دراسات الشرق الاوسط بتاريخ 17/11/2013

 

يطيب لي ابتداء، أن أتقدم مـــن الأخ الأستاذ جواد الحمد، مدير عام مركز دراسات الشرق الأوسط، وزملائه، بتحية الاحترام والتقدير، على هذه المبادرة، بعقد مؤتمر حول حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، لاسيما في هذا الوقت بالذات، حيث تتعدد التحديات في عالمنا العربي، وتتشعب الآراء والاجتهادات، حول واقع هذه الحركات، بشكل خاص.

 

إن قناعتي راسخة، بأن الإسلام هو الإسلام، بكل تعابيره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما يندرج دون ذلك هو تفاصيل.بمعنى أن الحديث عن إسلام سياسي وآخر غير سياسي، حديث لا يستقيم أبداً. والأصح في تقديري، هو أن نتحدث عن مفهوم السياسة في الإسلام، تماماً كما نتحدث عن مفهوم الاقتصاد في الإسلام. وهكذا، حتى ننطلق من قاعدة سليمة للحوار. وبالتالي فإن كل يسمى حركات الإسلام السياسي، هي حركات تنادي بإقامـــــــــة الدولة الإسلامية الشاملة، كلٌ وفق رؤاها واجتهادتتها وفهمها للإسلام. وهذا التشتت في الرؤى والمفاهيم وأنماط التفكير، هو "أس" المشكلة، وسبب الضياع، والضحية إن جاز التعبير. وفي كل الحالات، هي صورة الإسلام في عيون الغير. ومن هنا ستكون كلمتي في سياق الأصول وأصل الموضوع، بمعزل عن دور تلك الحركات ومدى نجاحها أو فشلـــها. ولن أخوض في التفاصيل، فالمتحدثون الكرام، سيثرون النقاش فيه حتماً. لكنني أطرح تساؤلاً، ربما كان مشروعاً، عن مدى أحقيتنا نحن المسلمين، في أن نختلف على الإسلام، وهو دين الله سبحانه، وللبشرية كافة، ودستوره هو القرآن الكريم، والله جلَّ في عُلاه، يقول في مُحكـــــــم كتابه العزيز: (إنَّا نحن نزلنا الذكر، وإنَّا له لحافظون) ... فكيف نختلف إذن، ونصبح شيعاً وحركاتْ، تتباين بينها الآراء في أمر واحد، لا مجال فيه لْخلافٍ أو اختلاف.

 

يمكنني القول إن الإسلام دين ودولة في إطار معطيات الزمان والمكان، والقدرة على الاعتماد على الذات وعلى التعايش مع المتغيرات. وكذلك يعتمد في مقدرته على إحتواء المتغيرات والاستفادة منها.وهنا يجب أن يفصل مفهوم الاجتهاد وان تكون المرجعيات الدينية معرفة ومنضبطة ومستقلة، يبقى السؤال عن مضمون تلك الدولة، ومدى تأثره بالزمان والمكان والظروف ونمط الحياة السائد، وغير ذلك من العوامل المتصلة بالعالم الآخر المحيط بتلك الدولة، ثم يتصاعد السؤال عن مدى قدرة حـــركة ما هنا أو هناك، على فرض إقامة الدولة الإسلامية، بين عشية وضُحاها، وسط عالم قَاَتلَ طويلاً، في تحييد الدين عن مفهوم الدولة الحديثة، واختار نمطاً مدنياً للحكـــــم، وصــــار ثقافة متًجذرة يصعب اختراقها، من جانب حركات مبعثرة هنا أو هناك، فلقد تطور مفهوم الدولة كثيراً منذ مجيء الإسلام، وأصبح العالم يبني الدول على أسسٍ ومفاهيم مختلفة منها المؤسسية والحياة البرلمانية والحزبية، وأصبحت الـــــدول الديموقراطية تقوم على أساس أن القانون يعلو فوق أي اعتبار. ومن هنا ظهر مبدأ ومفهـــوم سيادة القانون وسلطة القانون، والسلطة التشريعية وفصل السلطات والأمة مصدر السلطات.

 

هذه أسئلة لا تعاند مفهوم الدولة في الإسلام، لكنها مطروحة للنقاش، في زمن نحن أحوج ما نكون فيـــه، إلى استلهام روح الإسلام، في مقاربة الحوار الموضوعي الراشد، الذي ينبذ رفض أو إقصاء الآخر، وهـــو حوار لو تم إتباعه، لما شهدنا أبداً تلك الخلافات والصراعات الحادة، بين النخب والجماعات، الساعية إلى إقامة الدول على أسس منهجية إسلامية، ولا بينها وبين الحركات السياسية الأخرى، أو بينها وبين النظم السياسية الحاكمة.

 

وإذا ما كان بعض المسلمين، متفرقين مختلفين، لا بل ويتقاتلون كمذاهب وطوائف وشيع، فكيف بمقدور حركة هنا أو هناك، أن تجمع هذا الشتات على أمر واحد، قبل أن تفكر في إقناع العالم الآخر، بجدوى التعاون مع نظام حكمٍ إسلاميِ الطابع، في هذا الركن او ذاك من العالم !!

 

لا يخفى على أحد منكم، تلك المحاولات الخبيثة التي تعمل على تأجيج الصراع العلني والخفي، بين المسلمين السنُة، والمسلمين الشيعة، وهو صراع يجد من ينميه ويطور أدواتـــــــه، إلى الحد الذي يجعل منه صراع مواجهة، وفي إقليمنا بالذات، وهو صراع يلبس لبوس الدين للقومية في جانب، ولبوس القومية للدين في جانب آخر، ليجعل القاسم المشترك لكل هذا، صراعاً على من سيحكم، وفي هذا نفي قاطع لمنهجية التباكي على الدين!

 

إن ما يشهده العالم اليوم من بؤر صراع وتوتر، هو في حقيقة الأمر صدام حضارات وثقافات، وسلاحه الخفي هو الدين، ولو عمقنا النظرة في فلسفة الحكم في إسرائيل مثلاً، وهي الدولة التي سوقت نفسها ولا تزال، باعتبارها الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة (وهو ادعاء باطل)، لوجدنا أن نهج الحكم فيها يقوم على ثلاثة محاور رئسية:

الأول: الوصول إلى مرحلة يهودية الدولة، أي أن تصبح إسرائيل دولة لليهود دون سواهم من أتباع الديانات الآخرى، وهنا ومن باب التذكير أود أن أشير إلى وعد بلفور المشؤوم، تحدث في حينه، عن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهنا نتساءل... هل اليهودية قومية أم دين ؟؟ فإسرائيل تعتبر الدين هوية سياسية لها.

والثاني: طمس وإلغاء الهوية العربية والإسلامية في فلسطين، والمقدسات الإسلامية والمسيحية.

والثالث: الإيحاء بالتقارب بين المسيحية والتوراة القديمة، في محاولة خبيثة وخطيرة لاستقطاب المسيحيين (الجدد) والتوراة القديمة لعزل الإسلام والمسلمين، وإحداث التباعد بين المسلم والمسيحي العربيين.

 

يحـــدث كل هذا، ونحن المسلمين في صراع دائم، يكفر بعضنا بعضاً، ويتكاثر الأوصياء على الدين، ويتكاثر الصدام والخلاف، في وقت تغيب فيه المرجعية الدينية الحقيقـــــة، القادرة علـــى ضبط الأمور، وتقديم الإسلام للعالم، كما هو، وعلى حقيقته، وبصورة تضمن للمسلمين كرامتهم، وقوتهم، وتمكنهم من فرض وجودهم، في عالم لا مكان ولا حضور فيه إلا للأقويــــــاء. و ببساطة و حسن نية، في أن لا وصاية على الدين لأحد دون الآخر، وأن الإسلام دين الوسطية والاعتدال وهو رحمة للناس كافة، وأن انتشاره الكبير وبالذات خارج حدود العرب، جاء بالقدوة الحسنة، والنموذج الأميز، وهو ما نحتاجه اليوم بالتأكيد، كبديل حكيم للصراع الداخلي فيما بيننا، والخارجـــــي مع العالم الآخر، الذي يتعمد إلصاق تهمة العنف والإرهاب بالإسلام، بعضه عن جهل، وبعضه الآخر عن دهاء، مستفيداَ من كثير مـــن ممارسات بعض الحركات الإسلامية، التي تقدم سلاحاً معنوياً وثقافياً للآخرين، لمعاداة الإسلام والمسلمين ووضعهم بما ليس فيهم.

 

بصدقٍ وإخلاص، أدعو الحركات الإسلامية الراشدة لمراجعة المنهج والنهج معاً، وصولاً إلى القناعـــة بأن تسويق الرأي وبنجاح، يحتاج بالضرورة إلى ثقة الآخر، وطمأنينة الآخر، وقناعة ذلك الآخر، سواء الآخر بين صفوفنا، أو حتى خارج تلك الصفوف، مع حتمية الكف عن الروح الاتهامية والتشاؤمية، التي لا تترك أية فرصة لاستقطاب الآخر، مثلما تنمي روح العداء والكراهية والخوف، وليس ذلك من شأن الإسلام أبداً، ولنا في رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وسيرته العطرة، خير قدوة على هذا الصعيد. وأنا على يقين، من أن عقوداً طويلة مضت، كان يمكن أن تثمر أفضل، ولصالح العرب والمسلمين كافة، لو أنها استثمرت وفق منهج القدوة الحسنة، والدعـــــوة بالحسنى، وليس بعيداً عنا مقولة "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم على الارض".

 

أتمنى وأدعو إلى إدارة الخلاف ومعالجته بالابتعاد عن الأساليب الغرائزية والسادية، وتغليب لغة الحوار على بنود الخلاف لأنه لا سبيل للنجاة إلا بمنطق الحوار المفتوح الجوانب.

 

 

Term of use | Privacy Policy | Disclaimer | Accessibility Help | RSS

eMail: info@tahermasri.com Tel: 00962 65900000

Copyright @ 2015 Taher AlMasri the official web site, All Right Reserved

Image