Image
Image

جلسة نقاش حول أهمية دمج الشباب في المشاركة المدنية ومكافحة التطرف

جلسة نقاش بدعوة من مركز راصد أقيمت في بيت الشباب في عمان بتاريخ 14/3/2015

 

لا أحد منا يختلف على أهمية الشباب ودورهم في صناعة حاضر البلد ومستقبله، وهم الذين يسطرون تاريخ الوطن بالعمل والنشاط الديناميكي، وهم دون أدنى شك عماد القدرات المتجددة للوطن. وأن التنمية السياسية الحقيقية هي في تمكين الشباب من المشاركة في القرار في القضايا الوطنية. وأن التحدي الذي يقلقهم هو ثالوث: الفقر، والبطالة، وغياب المشاركة فيما يخص حاضرهم ومستقبلهم.

 

وقد أحسن "راصد" والمنظمون الكرام اختيار العنوان "اهمية دمج الشباب في المشاركة المدنية ومكافحة التطرف" خاصة في ظروف عاش الاردن خلالها حقباً عصيبة نتاج التطرف. وما زالت المنطقة العربية تعاني الكثير منه. ان تهيئة ودمج الشباب وتمكينهم لن يتم بين ليلة وضحاها، بل يحتاج الى إعداد الخطط الاستراتيجية بعيدة ومتوسطة المدى لذلك.

 

وعماد هذه الخطط البناء السليم للشباب الذي يبدأ من الاسرة في البيت في مختلف المراحل العمرية والتي تكمن في تعظيم لغة الحوار، والقيم العليا، والتنشئة الديمقراطية الاولى، وتحترم قيم العمل وتسقط ثقافة العيب. وطرحت الحكومات على مر السنين الكثير من الشعارات، إلا أنها وللاسف كانت مفرغة من مضامينها بسبب عدم وجود خطط عمل تنفيذية يتلمسها الشباب ولها صفة الديمومة، وهو أمر لم يتحقق إلا بنسب ضئيلة، مماتؤدي إلى زيادة المخزون الفكري والثقافي لدى الشباب.

 

وكلمـــا قويت العلاقة المتينة مابين التنشئة السليمة في الأسرة وأسلوب التعليم الذي يتلقاه طفلا ويافعاً، كلما انعكس ايجابا على القرار الذي يتخذه الشاب في حياته وفي بناء مستقبله في المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

 

وهذا يتم بالتزامن مع البناء القوي والسليم للدولة المدنية التي قاعدتها الفصل مابين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وعدم تغول واحدة على الأخرى. وأن تكون مستندة على قاعدة العدالة والمساواة التي تحترم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وعناصر الحكم الرشيد.

تواجهـون أيها الشباب أزمة في ضعف المشاركة في القرارات التي تخصكـم، في المدرسة والجامعة من خلال أسلوب التعليم التلقيني الذي لا يساهم في إطلاق طاقاتكم وقدراتكم الإبداعية، خاصة وأن المدارس والجامعات هما في الاصل الحاضنة العلمية التربوية الخصبة لإطلاق هذه الطاقات الابداعية.

 

وبهذا الصدد نؤكد على اهمية تنقيح المناهج الدراسية وتبني مناهج تنموية لتتناسب والواقع ولتحاكي التطور والتغيير الذي تسعون إليه، بعيداً عن الأسلوب التلقيني الكمي، بل التأكيد على جودة التعليم الذي أساسه إطلاق التفكير الابداعي، إضافة إلى أهمية منح المساحة المناسبة للمساقات غير المنهجية التــــي تظهر القدرات الكامنة وتستكشفها. يؤدي إلى زيادة المخزون الفكري والثقافي لدى الشباب.

 

وأنتم بلا شك تواجهون الأزمة، إذا كان لديكم الاهتمام والمشاركة في النشاط السياسي، حيث تعانون مما تعاني منه فئات لمجتمعات عديدة من المحظورات والقيود على الحريات العامة.

 

لديكم شكوك وتخوفات من جدوى المشاركة. سواءً أكان تخوفاً امنياُ، يجب إنهاؤه، أو لعدم وجود برامج حزبية حقيقية تلبي طموحكم واحيتاجاتكم، واضف إلى ذلك الظروف الاجتماعية والمعيشية التي تحاصركم بثقافات ومفاهيم خاطئة.

 

وقد نتفق علىأن المشاركة وصناعة القرار للشباب داخل الاسرة والمدرسة والكلية ضعيف لأكثر من سبب أوضحتها الكثير من الدراسات ولا داعي لذكرها هنا، الأمر الذي انعكس سلباً على نمط حياتهم في المشاركة في القرار الذي يهم حياتهم. وأن القرارات الخاصة بهم يجب أن تكون بمشاركتهم المحضة.

 

أضف الى ذلك افتقار مناهج التربية الوطنية التي من المفترض أن تركز على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات في إطار الدولة المدنية التي تضع المواطن والشباب على مشط المساواة والعدالة في الحقوق والواجبات مقابل الالتزام الكامل بالانتماء. والتأكيد على أن المشاركة مسؤولية وطنية وحق كفله الدستور للجميع.

 

خلاصة القول إن التعليم بصورته الحالية يتيح مساحة ضيقة للشباب في المشاركة في صنع القرار، ولا يمنحهم بالتالي الدور الكامل في التنمية الشاملة.

 

إلا أنه من مصادر القوة لدينا أن مجتمعنا مجتمع شاب، وهذا يعني أنه مطلوب من الدولة والقطاع الخاص تأمين متطلبات كثيرة لهم، وعلى رأسها محاربة الفقر، والحد من نسب البطالة المرتفعة، والتركيز على جودة التعليم. ولربما يكون جزءاً من هذه البطالة نتيجة تفضيل الشباب المتعلم العمل في الوظائف الحكومية، إضافة إلى ندرة الوظائف الجيدة في القطاع الخاص، ولا يغيب عن بالنا أن عدم توافق التخصصات والمهارات مع متطلبات سوق العمل والتعفف عن العمل بالاعمال المهنية والاخرى بسبب ما يسمى "ثقافة العيب" والتي برأيي بدأت بالانحسار التدريجي بسبب وعي أفضل للشباب لقيمة العمل. قد يكون سببا آخر يضاف لما سبق.

 

ويجب أن نعتز أن أحد مصادر قوتنا هو في استثمارنا للشباب في التعليم، فقد اشار تقرير المعرفة العربي الصادر عن منظمة الامم المتحدة للتنمية، الذي صدر حديثا أن نسبة التعليم الجامعي في الاردن بلغت 46.6% وهي مصدر قوة آخر علينا استثماره بالشكل المناسب لصالح الشباب في الداخل والخارج.

 

ولشبابنا مصداقية عالية في العمل في الخارج، وهم مطلوبون لكفاءتهم في العطاء ومهنيتهم الرفيعه وتميزهم بالامانة في الاداء. وهنا تقع المسؤولية الكبيرة على الدولة في فتح آفاق عمل في الخارج وبخاصة في دول الخليج، وأن تعقد المؤتمرات الاقليمية للتعريف بالطاقة الشبابية الاردنية المدربة والمهنية، هذا التسويق يجب ان يأخذ منحنى مختلفاً في إظهار القدرات المتميزة لهم وأن تكون سفاراتنا في الخارج خير راعٍ لذلك ضمن خطة واعية ومتابعة حثيثة، إضافة إلى دور القطاع الخاص الفاعل في هذا المجال.

 

وفي نفس الوقت لا نستطيع التغني الدائم بأن مجتمعنا مجتمع شاب، حيث أننا نقترب مما يسمى بذروة "التضخم الشبابي" والذي يعني ان نسبة السكان الشباب الى اجمالي السكان تبدأ في الانخفاض. وهنالك دراسات تشير الى ان نسبة الشباب من سن 15-29 سنة إلى إجمالي عدد السكان في الاردن تبلغ 30%، وقد تنخفض الى 27% خلال السنوات العشرة القادمة، وهذا سيشكل عبئاً اضافياً على الدولة الاردنية. وسيبقى التحدي الاكبر الحالي والقادم تخفيض معدلات البطالة المرتفعة ومحاربة جيوب الفقر. فقد أشار نفس التقرير إلى أن الكلفة الاقتصادية لإقصاء وتهميش الشباب في الاردن بلغت مليار ونصف المليار دولار.

 

سيواجه تحدي البطالة والفقر سعينا الدائم لتمكين الدولة المدنية، دولة المؤسسات التي تسود فيها العدالة، والذي إنْ لم يعالج بصورة برامج تنعكس على ارض الواقع سيكون-لا سمح الله-تربة خصبة للتطرف وتغذية أفكار الكراهية وتراجع مفاهيم التسامح، وهذه جميعها مولدة للشعور بالإحباط لدى الشباب.

 

وإنّ ما يقلق الكثيرين من الشباب والمجتمع أنه في حالة الإخفاق في تحقيق هذه التطلعات فإنهم سيصابون بالإحباط الذي قد يقود للتطرف في التعامل مع الدولة ومؤسساتها.

 

ونحن ندرك جيداً أن التربة المناسبة للتطرف بكافة أشكاله هو الفقر والظلم والبطالة وهو ثالوث يقود إلى كل ما ذكرناه. إضافة الى شعورهم الوطني والقومي المحبط الحاصل من التمادي الغربي في سياساته في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بحل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على ارضه.والذي يعتبره الكثيرون المفتاح لحل الكثير من مشاكل المنطقة.

 

إضافة الى شعورهم بالظلم الحاصل في تدمير مقدرات الدول العربية في العراق وسوريا وليبيا واليمن، والايدي الخفية المساهمة في ذلك.

 

لا شك أن حل القضية الفلسطينية بشكل عادل، واستقرار الدول العربية سيعزز الثقة لدى الشباب العربي عامة والاردني خاصة ويسقط مشاعر الإحباط ويساهم في المشاركة الايجابية في مختلف المجالات.

 

إذن علينا، دولة، وحكومة ومؤسسات العمل مع الشباب يدا بيد لنزع فتيل الأزمة باتاحة الفرص أمـــام الشباب وتمكينهم من المشاركة على قاعدة أن الجميع معنيون بالوطن ونهضة أبنائه الشباب، وهذا حقهم.لكن يجب التغلب على هذه الشكوك والتخوفات بالانخراط بالمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بجرأة، بالإستعانة بعواطف الشباب الجياشة وعقولهم المستنيرة في العمل على جعل التحديات فرصاً تخدم قضاياهم.

 

كلنا نقدر جيداً أن الاوضاع السياسية المتردية في سوريا والمنطقة شكلت ضغطا من نوع آخر على الدولـــــة وعلــــــى مواردها وانعكس ذلك على واقع الشباب في آن واحد، ففي ظل تدفق اللاجئين السوريين الى الاردن فقد ترحلت أزمة الضغط على الموارد الشحيحة في الاردن إلى التعليم والصحة والخدمات من مياه وكهرباء وغيرها، إضافة الى العمالة الوافدة من سوريا ومصر. الأمر الذي أدى الى زيادة نسبة بطالة الأردنيين في الاعمال المهنية.

 

وهنا يقع الشباب الاردني في أتون التحديات ما بين الفقر والبطالة وضعف المشاركة السياسية وتطلعاتهم نحو الاصلاح السياسي والاقتصادي التي تفتح لهم آفاق الانطلاق والتطور للتغيير نحو مستقبل أفضل.

 

إضافة الى الهم العام في استكمال مراحل الوصول الى الدولة المدنية الحضارية في تشريعاتها وسلطاتها، والدور الفاعل لكل سلطة بما يخدم المواطن على أفضل وجه، بما يتضمن له الحقوق المتساوية حيث ينشد فيها العدالة.

 

ندرك جيداً أن تعزيز دولة سيادة القانون التي تتيح تكافؤ الفرص وتسقط مفاهيم المحسوبية والواسطة، وتقضي على منابع الفساد. لتؤكد ألا أحد أكبر من الدولة في تجاوز العدالة، هو أمل وطموح الشباب في الانطلاقة السليمة، وهو مكون رئيسي للتنمية السياسية في دفع الشباب في المشاركة المنتجة.

 

ولا يغيب عن بالنا أهمية الاندية والمعسكرات الشبابية وتفعيل دورها الحيوي في صقل قدرات الشباب وإطلاق ابداعاتهم وتلمس التميز فيهم وهذا عبء يقع على عاتق مؤسسات الدولة ذات العلاقة في تشجيع إقامة الأندية وإطلاق المعسكرات التي تهدف إلى تعميق الانتماء الوطني وتعزيز الهوية الوطنية والمواطنة وتنمية ثقافة التسامح في مواجهة العنف السائد وبخاصة في الجامعات الاردنية وخارجها.

 

الأمر الذي يقتضي إعادة هيكلة المؤسسات الشبابية وتأمين الدعم اللازم لها في إطار خطة عمل تنفيذية واضحة المعالم لبرامج تخدم الشباب في مختلف المجالات. وهنا تأتي أهمية تعديل مهام المجلس الأعلى للشباب ليتناسب والأحداث الجسام التي تحيط بالدولة الاردنية.

 

هنالك اغتراب سياسي لدى الكثير من الشباب، ففي ظل مستويات الفقر الآخذة بالازدياد والبطالة فان انخراطهم بالتطوع بمؤسسات المجتمع المدني يعتبرونه ترفاً لا يستطيعونه، وكذا الامر بالنسبة للأحزاب السياسية على الساحة الاردنية التي أخفقت في تلبية احتياجات الشباب في أغلب برامجها، لا بل لم تول الاهتمام الكافي بهم ومنحهم الفرص لأخذ زمام المبادرة والمسؤولية والقيادة.

 

وهذا لا يعني أن الشباب الخام مؤهلون للقيادة دون التدريب والانخراط في تحمل المسؤوليات دون تمكينهم بالمعرفة والمهارات اللازمة، لكن المهم أن نفتح لهم الطريق. لأن الشباب هم عنوان التغيير الحقيقي، وهم بوصلة الوطن في الارتقاء.

 

ولإزالة هذا الاغتراب علينا أن نساهم كدولة وقطاع خاص ومجتمع مدني وإعلام في إزالة أية عوائق امامهم وأن نسعى لفتح آفاق حقيقية مدروسة وبعيدة المدى. ولا يجب بأي حال أن نتركهم على مفترق طرق متعدد الاتجاهات، دون أن نساهم في الأخذ بيدهم من خلال البرامج الوطنية المتخصصة وعالية المهنية، إلى طريق الخير وتحقيق الطموح.

 

وعلينا أن نثق بقدراتهم وأن نفتح لهم نوافذ تحمل المسؤولية ليدركوا ويعوا عظم المسؤولية وقدرتهم على حملها. وعندي قناعة تامة إذا اتيح لهم التدريب والتمكين الصحيح والفرص السليمة، فهم أهْلٌ لها وعياً وتقديراً.

 

وهنا تأتي أهمية أن نستمع إلى أفكارهم وطلباتهم ونتشارك في تحمل المسؤولية على قاعدة دولة المؤسسات، دولــــــــة القانون، وعناصر الحكم الرشيد في الحرية والديمقراطية والشفافية التي تضمن العدالة للجميع. وطن لا مكان فيه للأضغان والتمييز أو للتطرف، وطن يكبر بسواعد شبابه التي تطير به الى أجواء آمنة من التطور والرقي. وان تقوم الدولة ومؤسساتها بالإصلاحات الجذرية ومحاربة كل أشكال الفساد التي من شأنها أن تهيئ الفرص للشباب للمزيد من الانخراط في الحياة السياسية وتحمل مسؤولياتهم.

 

وفي نفس الوقت على الشباب أن يتحلوا بجرأة وشجاعة تحمل المسؤولية في المشاركة في صنع قرارهم من خلال الاندماج بالأطر السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

 

وأن يشكلوا سابقة في وضع التصور الذي يخدم قضيتهم بشكل أفضل ومناقشته من على مختلف المنابر والاستفادة بخاصة من المنابر الاعلامية المتاحة سواءً وسائل الاتصال الاجتماعية أو الإعلام الحر والكتروني بالسبل السلمية التي تعبر عن رقي شبابنا الاردني، وان لا يكون للاستسلام حيزً في تحقيق أحلامهم وتشكيل مستقبلنا الذي عماده الشباب الذين نحب ونفخر بهم.

 

وفي النهاية حبذا لو تعقد خلوات في كل محافظة أردنية مع الشباب والمسؤولين وممثلي القطاع الخاص والاهلي والاعلام ليتم بحث تطلعات الشباب الحقيقية أمام التحديات التي يواجهونها، وأن  تعرض مخرجات هذه الخلوات في مؤتمر وطني عريض يشارك فيه الشباب وممثلوهم في المحافظات لحث الحكـــومة على تلبية طلباتهم وانخراطهم في التنمية الشاملة التي تعود بالنفع على الشباب والدولة والوطن، وبذلك نؤكد سيرنا بالطريق الصحيح نحو سيادة دولة القانـــون، ونسحب البساط من تحت أقدام من يتربصون بالبلد وشبابه مستغلين هشاشه ظروف بعضهم.

 

إلا أن شبابنا المتسلح بالوعي والايمان فوت وسيفوت الفرص على القوى الظلامية من تحقيق تطلعاته بالانحياز الكامل للدولة المدنية وللوطن. نقف إلى جانبكم قضية وطنية رابحة لا تقبل التأويل. لتكونوا دائماً الوجه المشرق في رفعة الوطن وتطوره. لأن أبجدية مكافحة التطرف أن نمهد لكم الطريق ونقدم أفضل ما لدينا بما يحفظ ثروتنا الوطنية المتمثلة فيكم.

Term of use | Privacy Policy | Disclaimer | Accessibility Help | RSS

eMail: info@tahermasri.com Tel: 00962 65900000

Copyright @ 2015 Taher AlMasri the official web site, All Right Reserved

Image