Image
Image

سياسي يتذكر الحلقة الرابعة عشر

4 ايار 2014

المصري: الحسين كان في حالة غضب بعد تسرب أنباء توقيع "أوسلو"

محمد خير الرواشدة 

عمان- يصل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، في سرده لـ"الغد" لذكرياته الشخصية والسياسية اليوم، الى محطة ترؤسه مجلس النواب الثاني عشر (1993 -1997)، في دورته الاولى، وذلك بعد ان تحدث في الحلقة الماضية من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" عن استقالة حكومته ومرحلة قلقة من تاريخ الاردن السياسي الحديث مطلع التسيعينيات.

يدخل المصري اليوم في الحديث عن كواليس واجواء سياسية مشحونة، رافقت علاقة حكومة الدكتور عبد السلام المجالي الاولى العام 1993، بمجلس النواب الثاني عشر، الذي اشرفت حكومة المجالي على انتخاباته، وفق قانون انتخاب جديد، سيشكل منذ ذلك التاريخ "احد ثوابت" السياسة الرسمية حتى اليوم، وهو القانون المعروف بـ"الصوت الواحد". 

تسرب انباء توقيع اتفاق اوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، في أيلول (سبتمبر) العام 1993، كانت نقطة فاصلة لدى الاردن، وايضا فاصلة في مسيرة المصري السياسية، فهي من جهة تركت شعورا بالصدمة والمفاجأة والغضب الشديد لدى الاردن والراحل الملك الحسين، قبل ان تسرع في توقيع الاردن على اتفاق "وادي عربة" مع اسرائيل، وهي من جهة اخرى، وبارتباطها بالتوجه لتوقيع اتفاقية "وادي عربة"، التي يتحفظ المصري اليوم على انها جاءت مختلفة في مخرجاتها عما تقرر من مبادئ وثوابت عند الذهاب الى مؤتمر مدريد للسلام العام 1991، قد رافقها بدء ابتعاده عن المشاركة بصناعة القرار. 

وكان المصري شرح في حلقة أمس اجواء استقالة حكومته، وكيف استطاع أن يقنع الراحل الحسين بأن استقرار الأردن، نظاما وأرضا، صار مرتبطا بمعادلة ديمقراطية، لا يمكن التراجع عنها، أو الانقلاب عليها.

كما تحدث حول ترشحه وفوزه بانتخابات مجلس النواب الثاني عشر، حيث حصد الترتيب السادس على المملكة من حيث عدد الأصوات، بعد المراتب الخمس الأولى التي حصل عليها نواب الإخوان المسلمين.

وسجل المصري في حلقة امس انه عارض قانون الانتخاب، ذي الصوت الواحد، منذ اقراره واجراء انتخابات 1993 على اساسه. 


وفيما يلي التفاصيل...

  • جلست على كرسي رئاسة مجلس النواب الثاني عشر في دورته العادية الأولى، وبدأت فترتك بمعضلة سياسية، كانت بحجم المخاوف من حجب الثقة النيابية عن حكومة الدكتور عبد السلام المجالي؟

- صحيح، فقد واجهت حكومة عبد السلام المجالي مصاعب كثيرة، أولها أن مجلس النواب الجديد، خاض الانتخابات بقانون انتخاب مؤقت، وفق نظام الصوت الواحد، الذي وضعته حكومة المجالي نفسها، كما أن حكومة المجالي هي من أجرت الانتخابات، وهي من تحملت وزر تداعيات تلك الانتخابات، التي بقيت في ذمة الحكومة وعبئا يلاحقها.

بعد إعلان نتائج الانتخابات، وانعقاد المجلس في دورته العادية الأولى، كنت صريحا مع الدكتور عبد السلام وقد نصحته بأن التقليد السياسي المتبع هو ان تستقيل الحكومة بعد إجراء الانتخابات، حتى لا تتحمل تداعيات تلك النتائج، لأن مهمتها في مواجهة النواب الجدد ستكون صعبة، رفض ما قلته له، وباعتقادي بأن هذا كان خطأه، وأن قراره بعدم الاستقالة أظهر عداوات لم يتوقعها المجالي مع النواب.
من ناحية ثانية؛ لم يقم المجالي بحملة علاقات عامة، تهيئ له الظروف المساندة داخل مجلس النواب، ولم يفتح مع النواب حوارات جادة، وهو أقل ما يستحقه النواب من اهتمام، لقد كانت طريقة المجالي في تلك الجزئية ليست بالمستوى المطلوب.
وفعلا فقد اجتمع المجالي ذات مرة مع كتل، ما تزال في طور التشكل، وكانت تمثل الخط السياسي الوسطي الوطني، في منزل سمير قعوار، وقد كان لقاء كارثيا، لأن جميع الحضور من النواب خرجوا من اللقاء مستائين من مواقف المجالي وطريقة تعامله مع النواب.

أما من الناحية الثالثة، التي شكلت تحديا لحكومة المجالي أمام مجلس النواب، فهي أن نواب المجلس الجديد جاؤوا وهم بحاجة لإثبات أنهم ليسوا أضعف من المجلس السابق، الذي كان صيته منتشرا.

لذلك، فإن القصص التي رويت عن التدخلات الرسمية في الانتخابات لصالح مرشحين بعينهم، وتقديم خدمات لهم في مناطقهم من اجل استمالة الأصوات الانتخابية لصالحهم، شكلت ردة فعل عكسية عند النواب الفائزين، فأرادوا أن ينفوا عنهم هذه الشبهة، كما أن بعض النواب كانوا يستعدون لمواجهة الحكومة لنفس السبب، لكن من ناحية أخرى، فإن تدخل بعض الأجهزة الرسمية لصالح مرشحين خسروا، صعب مهمة الفائزين من النواب، وفي هذا السياق تحديدا فقد كان عدد كبير من نواب الجنوب ضد حكومة المجالي، لتلك الأسباب.

وإذا أردت أن أزيد على النقاط الثلاث آنفة الذكر؛ فسأقول بأن مخرجات قانون الصوت الواحد كانت من أهم الأسباب، التي وفرت أجواء داخل مجلس النواب، أعاقت عمل حكومة المجالي.

  • وأين كنت كرئيس لمجلس النواب، من الموقف من حكومة عبد السلام المجالي؟
    -المجالي وأصدقاؤه كانوا يعتبرونني غير متحمس لحكومته، لأني كنت نصحته بممارسة التقليد السياسي، وهو أن تتقدم الحكومة التي أجرت الانتخابات باستقالتها. أضف الى ذلك بأن قناعتي في تلك المرحلة كانت بأن حكومة المجالي منذ تشكلت هي حكومة انتقالية.

من جانب آخر، فقد أُخذ عليّ من قبل المحسوبين على المجالي بأني على خط غير خطه، وكانوا يعتبرون أني أنتمي لمدرسة إدارة حديثة، تخالف مدرسة المجالي، التي تميل للأسلوب المحافظ الكلاسيكي، كما أخذوا علي بأن تكويني السياسي لا ينسجم أصلا مع المجالي. وقد يكون هذا صحيحا، فأنا أعرف الدكتور عبد السلام من خلال علاقات اجتماعية وعائلية، وقد كان هناك فرق كبير بيننا في المفهوم السياسي المبدئي لكثير من الملفات، وقد كان انطباعه بأني ضد حكومته، ولست مرحبا بها، كما أيده في ذلك شقيقه المهندس عبد الهادي المجالي.

كانت عندهما قناعة بأني كرئيس لمجلس النواب، وجزء من الجهاز الرسمي، فعلي تمهيد الطريق أمام الحكومة للنجاح بالثقة النيابية، من دون أن يبدي رئيس الحكومة أي مرونة في مواقفه مع النواب.

لكن بالنسبة لي، فقد كانت لدي قناعة راسخة، بأن مهمتي كرئيس لمجلس نواب، جاءت بعد مجلس النواب الحادي عشر ذائع الصيت، فإن المطلوب مني أن أنهض بدور المجلس، وأن أترك له مساحة قوية في التأثير بالرأي العام، وهو ما سيخدم الموقف الرسمي من جهة السلطة التشريعية، وبذلك فإنه من غير المقبول، لا مني ولا من النواب أنفسهم، أن نحجّم دور هذا المجلس أو نقلل من أهميته.

لم تكن مهمتي المعقدة وحسب، بل إن الراحل الحسين اجتمع مع مجموعة من النواب، في منزل الشريف زيد بن شاكر في الحمر، واكتشف بنفسه صحة موقفي، وكيف أن المجالي نفسه يصعب علينا مهمة الثقة بحكومته. كما استمر دعم الملك للثقة بالحكومة بطريقة غير مباشرة، من خلال زيد بن شاكر، من موقعه كرئيس ديوان، ليساعد في الأمر، ومع هذا فقد بقيت المهمة صعبة.

بقينا نعيش أجواء الشد العصبي بكل تفاصيله، فالنواب يتمردون على حكومة، لا تعتبرهم شركاء، والحكومة تتعامل مع الغضب النيابي بمنتهى الأعصاب الهادئة.
طبعا، كانت الماكينة النيابية، التي تعبئ النواب بالمعارضة على حكومة المجالي، تتمثل حينها في عبد الله النسور، على ابو الراغب، سعد هايل السرور، سمير الحباشنة ومحمد داوودية، اضافة الى نواب الإخوان المسلمين طبعا، وتوجان فيصل.
وعندما تقدمت حكومة المجالي بخطاب العرش، الذي ألقاه الراحل الحسين في افتتاح أعمال الدورة العادية الأولى للمجلس، كبيان لها تطلب الثقة من مجلس النواب على أساسه، كان ذلك وسط أجواء نيابية صاخبة ومعضلة سياسية، وكنا على مفترق طرق، أرهقنا جميعا تجاوزه، حتى تمكنت حكومة المجالي من النجاح بثقة مجلس النواب، بـ41 صوتا من أصل 80 نائبا.

لم تنته أجواء التوتر النيابي الحكومي عند هذا الحد، واستمرت العلاقة مشحونة بين السلطتين، ولم تكن الأمور تهدأ، حتى تعاود الأزمات تطل من جديد.
واستمر هذا الحال إلى أن جاء وزير المالية في حكومة المجالي سامي قموه بمشروع قانون ضريبة المبيعات، الذي أثار ضجة واسعة جدا وكبيرة، وقد بذلت حكومة المجالي جهودا جبارة للترويج للقانون. أذكر أن النائب بسام حدادين، وقتها، هاجم الحكومة ومشروع قانون الضريبة، ووصفه بـ"القانون الصندوقي".
في تلك الدورة كان علي ابو الراغب رئيسا للجنة الاقتصادية والمالية النيابية، وكان عنده توجهات واضحة ضد القانون، وقد خاض داخل اللجنة نقاشات طويلة وصعبة، وتوصلت المناقشات تلك إلى أن النسبة التي فرضتها الحكومة في مشروع القانون، وهي 10 % مرفوضة، وأصرت اللجنة النيابية على تخفيضها إلى 7 %، وقد غضبت الحكومة على قرار اللجنة، وذهب المجالي مشتكيا للراحل الحسين.
استدعاني الراحل الحسين للاستفسار حول ما يجري على القانون، ودار نقاش بيني وبين الراحل والدكتور المجالي، وقد قلت للحسين: إن هذا القانون يمثل مفهوما جديدا عند المواطن الأردني، وليس من السهل تقبل الأردنيين لفكرة زيادة الضرائب، من أجل تنمية إيرادات خزينة الدولة، وقد كانت سمعة القانون سيئة، باعتباره جزءا من إجراءات صندوق النقد الدولي، ولذلك نصحت بأن على مجلس النواب أن يمارس دورا وسيطا بين ما تريده الحكومة وبين ما يتقبله الشعب.

وقلت ايضا ما نصه: إن هذا المفهوم الجديد من الضرائب على المواطن تم القبول بمبدئه لكن ما هو مرفوض، هو النسبة المئوية، بواقع 10 %، التي تريد الحكومة فرضها، وباعتقاد مجلس النواب واللجنة المالية بأن هذه النسبة لا يستطيع المواطن تحملها ذلك الوقت.

وبالفعل تفهم الراحل الحسين الأمر، وقبل المواطن على مضض الضريبة الجديدة، تحت شعار إنقاذ خزينة الدولة والمشاركة في دعم الموازنة، وهو ما ساهم فيه مجلس النواب وبنجاح، وخفف من حدة أي احتقان شعبي حيال الواقع الجديد.

• وسط هذه الأجواء النيابية الحكومية المشحونة، بكل أنواع التوتر السياسي والتشريعي، وحتى في أبعاده الشخصية بين المجالي ونواب بعينهم، هل كان ذلك يعيق جهود إدارتك لجلسات مجلس النواب؟


-في ذلك الوقت، وفي تلك المرحلة، وأمام مجلس نواب يخوض معركة كسب ثقة قواعده الانتخابية في دورته العادية الأولى، وحكومة تريد تنفيذ برامجها المُكلفة بها من رأس السلطة الدستورية، فإنك ستكون في وسط أجواء مشبعة بالتشنج، ومطلوب منك أن تكون حذرا ودقيقا في الأمور كلها.

لقد ساعدني جدا في مهمتي تلك رصيدي من العلاقات الطيبة مع النواب، سواء الجدد، أو حتى النواب الذين شاركوا في المجلسين، كما ساعدني أكثر إدراكي لطبيعة المصالح الوطنية التي نحتاجها، ويجب أن نعمل عليها في تلك الفترة.

كانت مهمتي في رئاسة مجلس النواب تلك الفترة المشحونة بالقلق والتوتر، سلسة من حيث إدارة الجلسات، لكنها كانت مضنية في إقناع النواب في الفصل بين مواقفنا وقناعتنا بالحكومة، وأولوية عدم تعطيل التشريعات في المجلس.
كما أن المعارضة النيابية، التي يجب أن تبقى فاعلة على أكثر من مستوى، يجب أن لا تستخدم في تعطيل عمل الدولة، وتعطيل عمل السلطة التنفيذية.
وبصدق أقولها، لولا أني حظيت بدعم من النواب في ذلك المجلس، والذين ما تزال تربطني بهم علاقة صداقة حتى يومنا هذا، لكانت مهمتي معقدة، نتيجة هذا التوتر الذي رافق العلاقة بين مجلس النواب الذي يريد إثبات نفسه وقوته الرقابية والتشريعية وبين حكومة المجالي التي جاءت بظروف صعبة، واستمرت تلك الظروف حتى استقالتها.

• كانت لك محطة مهمة أيضا في ذلك المجلس، فقد تقدمت الحكومة بمشروع قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وتمت مناقشته وإقراره في ذلك المجلس، أين كنت من أجواء المناقشة والإقرار، طبعا مع الإشارة إلى أن ذلك تزامن مع مغادرتك سدة رئاسة مجلس النواب، ومجيء سعد هايل السرور رئيسا، وهو أيضا ما يسترعي السؤال عن اسباب عدم رغبتك في الترشح لدورة ثانية في حينه؟
-في تلك الأيام بدأت أشعر فعلا برغبة في الانسحاب من المشهد السياسي كفاعل في مركز القرار، فقد استشعرت برغبة في استبعادي، كما أن مواقفي تلك الفترة لم تعجب مراكز قوى ونفوذ، ولهذا قصة يطول شرحها.

لكن وبعد أن صارت "أوسلو" واقعا، لا بد من التعامل معه ومع تداعياته، وبعد أن تم توقيعها في أيلول (سبتمبر) من العام 1993، فلا بد من أن أسرد لك تفاصيل عشاء دعيت له في ليلة جاءت بعد الأنباء الأكيدة عن توقيع أوسلو.

دعاني علي غندور إلى عشاء في بيته، حضره الراحل الحسين، وغسان تويني الصحفي اللبناني المعروف، وقد كان الحسين في حالة غضب شديد، مما سمعه عن اوسلو، وكان رحمه الله؛ وكما أبلغنا، قد هاتف الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قبل مجيئه للعشاء، وبحثا مستجدات الوضع بعد أوسلو. وقال لنا الحسين بأنه اتفق مع الأسد على لقائه في دمشق اليوم التالي.

في ذلك العشاء جرى حديث بين من حضر، وكان معنا ابو شاكر رئيس الديوان الملكي، وعبد السلام المجالي رئيس الوزراء، وتم الإسهاب في تحليل خطورة ما فعله عرفات ومعاني خطوة المنظمة الأحادية في ذلك الاتفاق، على الأردن.

أذكر بأني قلت للراحل الحسين بجرأة وصراحة: بأني أقدر غضبك وأتفهم مخاوفك، لكنك ستزور غدا دمشق، وستلتقي حافظ الأسد، وهو زعيم دولة يكره عرفات كرها واضحا، وسوف يؤلبك على عرفات والمنظمة.

وتابعت للحسين رحمه الله، بأن لومنا في الأردن يجب أن ينصب على الولايات المتحدة الأميركية، وعلى الإسرائيليين، الذين أخفوا عنا مثل هذا الاتفاق.

كما اقترح في تلك الجلسة عبد السلام المجالي أن يخرج الحسين على شاشة التلفزيون الأردني ويكشف عن مؤامرة أوسلو، واهدافها ومعانيها، وجرى نقاش حول الشخصية المناسبة التي ستحاور الملك حول الأمر، فاقترح غندور أن يقوم غسان تويني بإجراء هذا اللقاء.

ذهب الراحل الحسين لدمشق، وعاد إلى عمان في نفس اليوم، وظهر في المقابلة التلفزيونية مع تويني وهاجم رحمه الله اوسلو، ومن وقف وراءها، هجوما قاسيا، وأخذ موقفا واضحا ضد أوسلو.

وبعد أقل من 24 ساعة من بث هذا اللقاء المتلفز، قام الراحل الحسين بإجراء ندوة أخرى ليخفف وبشكل كبير من حدة تصريحاته، التي جاءت في المقابلة، بعد أن استشعر الحسين برغبة دول النفوذ بدعم اوسلو وموقعيه.

في تلك الفترة أيضا، ومن خلال سياسات حكومة المجالي بعد اعلان اتفاق اوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية والإسرائيليين، وظهور آراء وسياسات كنت أعتقد بعدم توافقها مع الخط الرسمي، بدأت أسمع بوضوح بأن هناك عدم رضا عن إدارتي لمجلس النواب.

أيضا في تلك الفترة ذهبنا إلى واشنطن بمعية الراحل الحسين لحضور إعلان واشنطن في الرابع والعشرين من تموز (يوليو)، وقد جاءني أبو شاكر ليبلغني بأني من ضمن الوفد المرافق للحسين، وحاولت أن أتهرب من الأمر، وقلت لأبي شاكر بأن لا علاقة بروتوكولية لي بحضور مثل هذه المناسبات، لكنه أصر. دعوت أعضاء المكتب الدائم ورؤساء اللجان النيابية، وتشاورت معهم في الذهاب إلى واشنطن، بصفتي رئيسا لمجلس النواب، وتم إجراء تقدير موقف من النواب بالامتثال لتوجيهات الراحل الحسين، والذهاب إلى واشنطن، وقد قصدت من هذه الخطوة، تكريس تقليد ديمقراطي، يساعدنا في التشاركية بالمسؤولية الوطنية، ويوزع أعباء تحمل المسؤولية.
وخلال تواجدي في واشنطن في تلك الزيارة، استشعرت تماما حجم العلاقة التي ستنشأ بين الأردن وإسرائيل، واسترجعت شريطا من التصريحات الأميركية والإسرائيلية عن مستقبل السلام، والتضحيات التي بدأها الملك الشهيد عبد الله الأول على أبواب القدس.
وهناك صار عندي توجه أكيد، بأني لن أترشح لانتخابات رئاسة مجلس النواب في الفترة المقبلة، التي استشعرت فيها حراجة المرحلة ودقتها.

من هناك دخلت علاقتي مع مراكز القرار بمفصل جديد، وبدأت أشعر بفتور تلك العلاقة، وزاد الأمر سوءا وتوترا في العلاقة، عندما كان مندوب صحيفة الرأي لدى مجلس النواب حينها طارق المومني جالسا في مكتبي، وقلت له من دون قصد أو نية لتسريب خبر "بأني لن أترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة"، لاتفاجأ في اليوم التالي، بأن المومني قد كتب خبرا نشره في الصفحة الاولى في جريدة الرأي، وعنونه بنيتي عدم الترشح لانتخابات رئاسة مجلس النواب، ومن هناك بدأت كرة الثلج تتدحرج بشكل متسارع، حتى أوصلتني لحالة من الابتعاد عن المشاركة في صناعة القرار في تلك المرحلة.

  • لكن أليس هذا تناقضا كبيرا في موقفك السياسي، الذي دعم بكل وضوح حضور ومشاركة الأردن في مؤتمر مدريد للسلام، وموقفك الجديد في عدم الرغبة في صناعة السلام مع الإسرائيليين، كما أنك النائب الوحيد الذي تغيب عن جلسة التصويت التي أقر فيها قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية؟

-هو ليس تناقضا لكنه انسجام مع الأسس التي أصبحت فيما بعد سياسة، تمثل خط الدولة الرسمي، فعند قبول دعوة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لحضور مؤتمر مدريد، كانت هذه الأسس وتلك السياسة انعكاسا لقرار مجلس الوزراء، الذي قبل الدعوة للحضور والمشاركة في مدريد، وألزمنا ذلك القرار بالذهاب للمفاوضات، للعمل على تحقيق تلك الأسس.

 وبالمناسبة، يجب أن نتذكر جيدا بأن حكومتي، والتزاما منها بخطها الوطني، ضحت عند اتخاذ مجلس الوزراء قرار المشاركة بمؤتمر مدريد، بخمسة وزراء، استقالوا على خلفية رفضهم ذلك القرار، حتى أطاح النواب بحكومتي لنفس السبب.
لقد خالفت الحكومات من بعدي أسس هذا القرار، وبرأيي فإن كل المفاوضات المباشرة التي جرت بين الأردن وإسرائيل في وادي عربة، وانتجت مشروع قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، هي مفاوضات خالفت روح ونص قرار مجلس الوزراء، الذي اتخذ في تاريخ التاسع عشر من تشرين الأول (اكتوبر) العام 1991.
وهناك فصل كبير بين ما اتفق عليه مجلس الوزراء في حكومتي وبين ما آلت إليه المفاوضات في زمن حكومة عبد السلام المجالي.


لذلك عبرت عن رفضي لذلك، ومعارضتي السياسية له، وفي السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) وعندما صوت المجلس بأغلبية 55 نائبا على قانون المعاهدة، وعارضه 23 نائبا، فقد كنت أنا النائب الوحيد الذي غاب عن تلك الجلسة، وللأسباب التي ذكرتها لك، وبامكانك أن ترجع لمحضر تلك الجلسة والتأكد من الأمر.

Term of use | Privacy Policy | Disclaimer | Accessibility Help | RSS

eMail: info@tahermasri.com Tel: 00962 65900000

Copyright @ 2015 Taher AlMasri the official web site, All Right Reserved

Image