Image
Image

سياسي يتذكر الحلقة الثانية عشر

12 1 ايار 2014

طاهر المصري: الحسين استعد لحل "النواب" لإطالة عمر حكومتي

محمد خير الرواشدة

عمان- تابع رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري سرد ذكرياته السياسية عن حكومته، التي واجهت تحديات كثيرة في وقت قصير، ويستزيد في شرح تفاصيل الدعوة لمشاركة الأردن في مؤتمر مدريد للسلام.

ويروي المصري في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، تفاصيل جلسة مجلس الوزراء التي قررت فيها الحكومة المشاركة في مؤتمر مدريد.
كما يوضح موقف الوزراء المستقيلين من الحكومة على خلفية قرار المشاركة، وسعيه لثنيهم عن استقالاتهم، حتى يخفف من حدة الأجواء السياسية الساخنة من حول حكومته.

لكن المصري يستدرك في تبرير مواقف الوزراء الخمسة المستقيلين، ويعتبرها مواقف مبدئية ومسؤولة.

وكان المصري كشف في حلقة أمس عن بعض تفاصيل المعارضة النيابية داخل المجلس، والسياسية من خارج المجلس، والتي شككت بقدرة المصري شخصيا على إدارة الحكومة، وقدرة حكومته على إدارة المرحلة. ولفت الى أن المعارضة الأبرز لحكومته كانت منذ البداية من كتلة الإخوان المسلمين في المجلس.

كما شرح تفاصيل برنامج حكومته، والقناعات التي كانت تعبر عنها الحكومة في مجالات وقطاعات الإصلاح الشامل

واليوم يستزيد المصري في توضيح المواقف المتناقضة للقوى النيابية والسياسية والاجتماعية في تلك الفترة السياسية الحرجة، ويبدأ في حلقة اليوم التمهيد لقصة إقناع الراحل الحسين بقبول استقالة حكومته، والانتصار لخيار الدولة الاستراتيجي في عودة الحياة الديمقراطية، عارضا على الراحل الحسين أن يعود وزيرا للخارجية في الحكومة الجديدة، حتى لا يظنن أحد بأنه يتهرب من المسؤولية.

فيما يلي التفاصيل...

  • ذيول أزمة توتر العلاقات الأردنية الأميركية نتيجة موقفنا في حرب الخليج الثانية، أو ما فهم أنه دعم منا لصدام خلال قصف بغداد، بقيت تؤثر على زيارات بيكر، التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة، ويُقال بأنه سعى لابتزاز الأردن لتقديم تنازلات بمشاركته في مؤتمر مدريد مقابل تخفيف حدة الحصار الذي فرض على العراق، وتأثرنا به كثيرا؟


-كان ذلك واضحا، وقد كان لبيكر محطات كثيرة يُذكرنا فيها بموقفنا الرافض لضرب بغداد.
وهنا لا بد من توضيح جوهر الموقف الأردني من الأزمة العراقية الكويتية، وما ترتب عليها من تطورات بقصف بغداد وحصار العراق، فقد كانت مطالباتنا تنحصر بالبحث عن الحل العربي للأزمة العراقية الكويتية، وعدم تدويل الأزمة وعسكرتها، أي عدم الاستعانة بالقرارات الدولية والقوات العسكرية الدولية لحل خلاف عربي عربي، واستثمار دبلوماسية جامعة الدول العربية في هذا المجال، وقد حاول الراحل الحسين جاهدا أن يطوق الخلاف ضمن هذه الحدود، لكنّ هناك دولا عربية استعجلت في دعم ما يخالف خطوة الحسين ورؤيته ونواياه.

لقد حاولت الولايات المتحدة الضغط كثيرا على الأردن من أجل إحكام الحصار على العراق، وكان لديها شكوك واسعة بأننا نصدّر للعراق ما نستورده من بضائع عبر ميناء العقبة.

وكانت تتعرض البواخر التي تحمل لنا البضائع لسلسلة من التفتيش والرقابة في المياه الإقليمية قبل أن تصل العقبة، وكانت هذه الخطوة عقابا اقتصاديا لنا في الأردن، بسبب الشكوك الأميركية لدعمنا للعراق اقتصاديا.

وأذكر انني تحدثت في احدى زيارات بيكر للأردن، إليه، بأنكم تفرضون على البواخر التي تحمل البضائع المصدرة إلى الأردن تفتيشا أمنيا قاسيا يجعلها تتأخر في الوصول لميناء العقبة

فرد بيكر مباشرة بالقول نستطيع أن نضع نقطة تفتيش دولية في ميناء العقبة، وبذلك لا تتأخر البواخر بالوصول للميناء، وقد كان حلا عمليا من وجهة نظر بيكر.
مباشرة رفضت عرضه، وقلت له إننا في الأردن لسنا مشمولين بقرار مجلس الأمن بفرض الحصار على العراق، وأبلغته بأن عرضه هذا هو مساس بالسيادة الأردنية على أرضها، وعليه أن يفهم بأن مثل هذه العروض ليس مرحبا بها من قبل الحكومة الأردنية.

فطلب مني أن نضع نقاط التفتيش على الحدود الأردنية العراقية شرقا، فأجبته مباشرة: لا مشكلة لدينا؛ إن استطعت وضعها على الأرض العراقية، أما الحدود من جهتنا فلن نسمح بوجود أي قوات عسكرية غير أردنية فيها، انه أمر سيادي أردني غير قابل للنقاش. وبذلك استمر مسلسل التضييق على البضائع التي تصلنا عبر ميناء العقبة، إلى أن انتهت تداعيات الموقف الدولي من حصار العراق علينا وحدنا.



  • إذاً كنتم متنبهين لهدف جولات بيكر، وللنتيجة التي يريد أن يصل إليها؟
    -بيكر كان يبني المؤتمر بناء، ولم يكن يُقدم للدول التي شملها بجولاته مشروعا كاملا دفعة واحدة. لذلك كان يستحصل على موافقات وتوضيحات حول بنود معينة، أو إجراءات مُحتملة عند كل دولة معنية بالحضور، ثم ينتقل إلى الخطوة التالية، وبقيت جولات بيكر بهذه الحدود إلى أن أصبح واثقا بأن لديه أفكارا وموافقات أصبحت جاهزة، ويمكن البناء عليها بكل ثقة في توجيه دعوة رسمية للدول المشاركة في مؤتمر مدريد.
  • ولماذا اختيار مدريد مكانا للمؤتمر، ولماذا لم تختر الولايات المتحدة واحدة من ولاياتها لعقد المؤتمر؟

-في آخر مرة جاء فيها بيكر لعمان، قال إن الولايات المتحدة اختارت عاصمة إسبانيا مدريد لتكون مكان انعقاد المؤتمر ومقرا له، وقال أيضا بأنه حصل على موافقة ملك اسبانيا خوان كارلوس والحكومة الإسبانية.

وأسهب بيكر في تلك الزيارة في شرح أسباب اختيار مدريد، وشدد على رمزية مدريد التاريخية وما كان في الأندلس من تعايش، وعلى مدى قرون طويلة بين المسلمين واليهود. وأراد بيكر من هذه الرمزية أن يوفر لانطلاق المفاوضات بين العرب وإسرائيل من خلال مؤتمر للسلام، بداية جيدة. كما أكد بيكر بأن أسباب اختيار مدريد جاء لميزات أخرى تتعلق بأمن الوفود المشاركة وبعد اسبانيا عن النشاطات الإرهابية.

• وهل تم توجيه الدعوة الرسمية لحكومة المملكة الأردنية لحضور مؤتمر مدريد للسلام بعد تلك الزيارة؟

-نعم؛ تلقينا دعوة موجهة من رئيس الولايات المتحدة جورج بوش ورئيس الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف لحضور المؤتمر.

ولقد ناقش مجلس الوزراء الدعوة والنتائج التي قد تترب عليها، وما إذا كان ذهاب الأردن إلى مدريد هي خطوة على الطريق الصحيح، أم أن آثارها ستكون سلبية على مستويات محلية.

خصوصا وأننا في الحكومة كنا ندرك حجم التعبئة الشعبية ضد أي شكل من أشكال المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وكنا متخوفين من أن لا تذهب كل الدول العربية التي وُجهت إليها دعوات رسمية، وكانت عندنا سلسلة من المخاوف تجاه حضور مؤتمر مدريد للسلام. وناقش مجلس الوزراء بكل مسؤولية هذه المخاوف، وقد اهتدينا لإصدار قرار مجلس الوزراء بقبول الدعوة بناء على قواعد ومبادئ وثوابت الدولة الأردنية، في تحقيق معادلة سلام تضمن للفلسطينيين حقوقهم وقيام دولتهم، وتطبيق كل قرارات الشرعية الدولية.

• بالعودة إلى تفاصيل استقالة الوزراء الخمسة من حكومتك، كيف جاءت ظروف استقالاتهم، وهل استقالوا فعلا، أم تم إخراجهم بالتعديل الوزاري؟

-هم استقالوا فعلا، وقد تم التعامل مع استقالاتهم على أساس موقفهم من الاستمرار في حكومة قررت الذهاب إلى مدريد، وقد استقالوا في الخامس من تشرين الأول (اكتوبر) 1991، قبل نحو 45 يوما من استقالة الحكومة في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه.

لقد كان الجو العام السياسي واضحا ولا لُبس فيه، وقد كان الجميع يعرفون بتطورات المشهد السياسي الدراماتيكي إقليميا ومحليا.

لذلك هم كانوا على اطلاع على تفاصيل جولات وزير الخارجية الأميركي، فقد كنا أنا ووزير الخارجية عبد الله النسور نضع مجلس الوزراء أولا بأول بصورة التفاصيل.
حتى جاء موعد الجلسة التي قدمنا فيها تقريرا مفصلا لمجلس الوزراء، شرحنا فيه أنا والنسور بكل دقة وصراحة وتفصيل موقفنا الرسمي من الحضور والمشاركة في مؤتمر مدريد، ودار في الجلسة نقاش حام لكنه اتسم بالمسؤولية والصراحة والاحترام.

واعترض ثلاثة وزراء على مبدأ المفاوضات من أساسه، مشككين بجدوى مثل هذه المؤتمرات، وقد كان موقف وزير الأوقاف رائف نجم نابعا من حرصه على أن لا تتأثر مكانة القدس في ملفات المفاوضات، وكان يخشى على مبدأ عودة القدس، وبالتالي مصادرة هويتها الدينية الإسلامية والمسيحية ومكانتها الرمزية.

كما أن عبد الله النسور الذي عرض التقرير وقدمه من موقعه كوزير للخارجية بكل مسؤولية، عارض هو الآخر الموقف الرسمي من مدريد ومفاوضات السلام المباشرة، من موقعه كعضو مجلس وزراء وعضو في مجلس النواب، فاصلا بين مسؤوليته كوزير للخارجية وموقفه كنائب يمثل شريحة شعبية.

انتهى اجتماع مجلس الوزراء عند هذا الحد، ولم يكن هناك أي فكرة أو تصور لتطور الأمور بعد ذلك.

لكن وعلى ما يبدو فقد اجتمع الوزراء الذين استقالوا وحدهم، ثم جاؤوني بعد ذلك بأيام قليلة وتقدموا باستقالاتهم فعلا، حاولت كثيرا ثنيهم عن قرارهم لكن لم أنجح، ثم أعلنا رسميا تقدمهم باستقالتهم، وقبولها ثم إجراء التعديل على الحكومة. ودخل في الحكومة كل من محمود الشريف وزيرا للإعلام، وعبد الرزاق طبيشات وزيرا للبلديات، وكامل ابو جابر وزيرا للخارجية، وقسيم عبيدات وزيرا للعمل، وعز الدين الخطيب التميمي وزيرا للأوقاف والمقدسات الإسلامية، كما تغيرت حقيبة خالد الكركي من وزارة الإعلام والثقافة، إلى حقيبتي التعليم العالي والثقافة.

  • وبعدها ذهبتم إلى مدريد؟

-لا؛ فقد بدأ التحضير للذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام، من خلال جمع خبراء أردنيين في ملفات المفاوضات المُفترضة في قصر الضيافة، الذي كان في موقع المركز الوطني لحقوق الإنسان اليوم، وتم تشكيل اللجان بناء على الاستعداد والجاهزية لجولات مفاوضات مفترضة، وما هو جوهر الموقف الأردني منها، وما هي حدود التفاوض وإلى أي مدى يمكن أن نصل فيها.

وقبل أن تبدأ اجتماعات اللجان كنا نبحث عن رئيس للوفد الأردني، وقد كان رئيس الوفد الأردني الرسمي وزير الخارجية كامل ابو جابر، في حين اقترحت على الراحل الحسين أن يرأس الوفد المفاوض أردنيا الدكتور عبد السلام المجالي، لأنه يمتلك مواصفات تمكنه من جدل المفاوضات وطول أمدها، فوافق الحسين رحمه الله. وبدأنا كحكومة في التحضير لخطاب الأردن في مدريد، وصاغه الدكتور خالد الكركي باللغة العربية، لنكتشف بعد أن انتهينا من كتابة الخطاب، بأن الحسين يريد أن يكون خطاب الأردن في المؤتمر خطابا باللغة الانجليزية، وكلف الأمير حسن بكتابته، وألقاه وزير الخارجية ابو جابر.

  • وهل كان تشكيل الوفد المشترك بينكم وبين منظمة التحرير الفلسطينية بالأمر السهل؟
    -لقد رفض جيمس بيكر من الأساس؛ وخلال جولاته المتكررة على المنطقة، حضور وفد فلسطيني مستقل ومُنفصل عن باقي الوفود في المؤتمر، وتحايلنا على الأمر بحضور وفد أردني فلسطيني مشترك برئاسة الأردن، وحتى أن بيكر قالها صراحة: بأنه سيبحث مع اسرائيل موافقتها على قبول وجود أعضاء من منظمة التحرير الفلسطينية في الوفد المشترك.

وبدأنا العمل مع المنظمة على اختيار الوفد المشترك، ودعمنا نحن استقلاليتهم حتى وهم وفد مشترك معنا، لكن بشرط أن يصارحونا بكل تطورات الموقف عندهم، واطلاعنا على جميع التفاصيل.

وتم توقيع اتفاقية شكلية، جاءت على صيغة مذكرة تفاهم حول الوفد المشترك وكيفية التعامل بيننا، وحدود كل منا في تلك المفاوضات، وكانت مذكرة التفاهم تلك ضمانا حتى لا يقع أي سوء تفاهم بيننا، خلال مشاركتنا في جلسات المؤتمر، كما تم تحديد إطار رسمي لكل طرف، وأبلغنا ابو عمار بأن ياسر عبد ربه سيكون رئيسا للوفد الفلسطيني في هذا الشأن فقط، وأبلغت الراحل الحسين بأننا جاهزون لتوقيع مذكرة التفاهم، وعندما اطلع عليها لم يعجبه ذكر كلمة الكونفدرالية، في مقدمة مذكرة التفاهم، وقال إن هذه الكلمة ليس لها مكان في مثل هذه المذكرات، وهو شأن لا يمكن البحث فيه إلا بعد عودة الحقوق لأصحابها الفلسطينيين.

لكن الحسين لم يعطل سير توقيع المذكرة، عدت لعرفات وقلت له بأني سأوقع المذكرة عن الجانب الأردني، ورد مباشرة بأنه سيوقعها عن جانب منظمة التحرير الفلسطينية. وأكرر هنا بأنها كانت مذكرة شكلية، نظمت حضورنا المؤتمر، بما فيها اللوحة التي كُتب عليها "الوفد المشترك" تجنبا لأي اشكالات محتملة.

حتى أن الوفد الفلسطيني الذي سافر معنا شارك في التحضير للمؤتمر، وكان مقر الاجتماعات المشتركة لنا والمنظمة في قصر الضيافة بين الدوار الخامس والرابع في عمان. بعدها ذهبنا إلى مدريد.

  • وهل بقيت حكومتك طويلا بعد الذهاب إلى مؤتمر مدريد؟

-لا؛ فقط أمضت حكومتي تسعة عشر يوما بعد انعقاد المؤتمر، فهو انعقد في 30 تشرين الأول (اكتوبر) واستقالت الحكومة في 21 تشرين الثاني (نوفمبر(
من هناك بدأت المذكرة النيابية، التي وقعها 49 نائبا في وقت سابق بالتفاعل، فالمذكرة وُقعت في فترة خارجة عن سياق الدورة البرلمانية العادية، والنظام الداخلي لا يسمح بمناقشة المذكرات النيابية، إلا خلال الدورات البرلمانية العادية. وقد جاء استحقاق دعوة مجلس الأمة للانعقاد دستوريا، في الفترة الممتدة من 1 تشرين الأول (اكتوبر) وحتى الأول من كانون الأول (ديسمبر)، وهو الموعد الذي يعتبر فيه مجلس الأمة مدعوا من دون حاجة لإصدار إرادة ملكية تدعوه للانعقاد.

طبعا زاد الحديث عن المذكرة، وزاد التشدد في الدعوة لتقديمها والتصويت عليها في أول الدورة البرلمانية، وقد زاد من حمى المذكرة إجراء التعديل على الحكومة ومن دون دخول النواب من الكتل المعارِضة للحكومة، كما أن نواب الحركة الإسلامية كانوا وراء التعبئة النيابية في موضوع المذكرة، وزاد الأمر سخونة بالنسبة لهم جميعا، موقفهم "الرافض لمشاركة الأردن في مؤتمر مدريد و"المفاوضات المباشرة مع العدو".

وأذكر كيف أن وزراء استقالوا من الحكومة وهم نواب في الأصل، وقعوا على المذكرة أيضا، وأذكر منهم سليم الزعبي. وهناك صار الصدام مع النواب واضحا ولا مجال للهروب من استحقاقاته.



  • إذاً كنت في مواجهة احتمالين لا ثالث لهما؛ إما الاستقالة وإما مواجهة مجلس النواب الذي كان مستعدا للإطاحة بحكومتك بحجب 49 نائبا عنك الثقة؟
    -المذكرة كانت هي التحدي الأقوى، وبناء على التعامل معها سيكون القرار؛ إما مواجهة النواب والدخول بأزمة سياسية داخلية، وإما الذهاب إلى خيار الاستقالة وترك مساحة لرئيس الوزراء المقبل للمناورة مع النواب في ثقة جديدة، وشروط أكثر مرونة، تسمح له بتخفيف حدة المواقف النيابية التي كانت متشددة.
    تشاورت مع الراحل الحسين مطولا، واتفقنا بأن موضوع المذكرة أخذ أبعادا جديدة، فحتى ومع أن المذكرة لم تكن مُلزمة، لأنها جاءت في سياق خارج عن موعد انعقاد الدورة العادية، وأن الدستور يسمح بتأخير موعد انعقاد العادية حتى الأول من كانون الأول (ديسمبر) وهي صلاحيات جلالة الملك، وهو ما يترك امامنا فرصة من الوقت لمعالجة الأمور وتهدئة الأجواء المُحتقنة بين الحكومة والنواب، سواء في إجراء تعديل حكومي، أو الخضوع لشروط نيابية نحصن انفسنا بها في موضوع الثقة، ونرجئ التصويت النيابي على حجب الثقة عن الحكومة.

فقد كانت المذكرة النيابية عنوانها "أن الحكومة لم تعد تتمتع بثقة مجلس النواب".
جلست انا والراحل الحسين أكثر من جلسة لتقدير الموقف، والبحث عن مخرج عملي من الازمة وبأقل الأضرار، وفي احدى المرات جلسنا أنا والحسين رحمه الله في مكتب رئيس قسم الإعلام فؤاد أيوب وحدنا، وشرحت له وجهة نظري بالتفصيل، حيال الموقف السياسي الذي تمر به الحكومة والنواب معا.

وفي تلك الأثناء أبدى الملك استعداده لحل مجلس النواب، اذا كان ذلك مطلوبا، مقابل استمرار الحكومة ولم أتفق معه؛ حيث قلت له: بأن قرار الانتخابات النزيه وأجواء الانفتاح السياسي والشعور بجدية الملك بإجراء إصلاحات أعطت النظام والملك مصداقية مهمة في الشارع وأمام العالم، وهي المصداقية التي أسست لعودة الثقة الشعبية، وهي الثقة التي كنا بأمس الحاجة إليها خلال تلك الفترة السياسية الإقليمية الدقيقة والحرجة والصعبة والمركبة.

فقد كانت اوروبا والولايات المتحدة تتابعان أدق التفاصيل التي تجري عندنا، ويريدان أن يختبرا قدرة صمود النظام السياسي في الأردن، على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية معا.

وكنت أشدد في حديثي للراحل الحسين، بأنه من الظلم أن نضحي بهذا المكسب، في هذا الوقت الذي بدأنا فيه نشعر بتحريرنا من القيود الاقتصادية، التي فُرضت علينا نتيجة موقفنا من الحصار على العراق.

وأبلغت جلالته بأننا بحاجة إلى ديمقراطية حقيقية ومستمرة، ومن الخطأ تدمير ما قمنا ببنائه على مدى مرحلة التحول الديمقراطي خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
كررت وجهة نظري أمام الحسين في أكثر من مرة، وفي أكثر من جلسة، وكانت الفكرة بالنسبة لي واضحة، فالمذكرة ما تزال بـ"كريدورات" مجلس النواب، وأن تهديد المذكرة سيظل قائما حتى بعد سحبها، لأن في المجلس 23 نائبا إسلاميا ملتزمين بوحدة الموقف، وهم موقعون على العريضة، وهم معارضون أصلا لحكومتي، حتى لو تجاوبت مع كل مطالبهم، وإذا أخذنا بالاعتبار أن هناك 7-9 نواب قريبين من الإسلاميين أيضا، ومن السهل أن يتحالفوا معهم، كما أن هناك نوابا مستقلين أعلنوا موقفهم المعارِض للحكومة، وأمام هذا الواقع أكدت للحسين بأننا إذا تجاوزنا المذكرة اليوم، فإننا سنكون أمام عرائض ومذكرات أخرى قد توقع لاحقا، وهو ما يعني استحالة استمرارية العلاقة بين حكومتي ومجلس النواب، وحتمية القناعة بأن الطريق أمام حكومتي صار مسدودا.

وهنا؛ فإن مدى التزام النواب في تلك المجالس بالمذكرات النيابية كان كبيرا، فلا يوجد نائب يوقع على مذكرة حجب ثقة مثلا، ثم يعود بعدها فيسحب اسمه عن المذكرة، فالالتزام كان واضحا وليس أمرا سهلا التلاعب في مثل تلك الأمور.
وكان من السهولة على شخصية نيابية مثل ليث شبيلات مثلا أن يطرح مذكرة حجب الثقة، وسوف يضطر جميع الموقعين عليها الالتزام بها، والتصويت على أساس المضامين الواردة فيها.

لذلك كان واجبي كرئيس للحكومة أن أحقق القسم الذي أقسمته وأن أحترم قناعاتي ومبادئي تجاه مجلس النواب، وقلت للراحل الحسين بأن خروجي اليوم من الحكومة ليس نهاية المطاف، لكن الأهم هو حماية الديمقراطية، وحماية الوطن بالديمقراطية، فالأجواء الإقليمية كانت صعبة، والقطيعة العربية لنا ما تزال فاعلة، وتداعيات الحصار على العراق تخنقنا، والغرب وأميركا لم يعودا حلفاء لنا في تلك الأيام، وهو ما سيجعلنا نواجه تلك الظروف الإقليمية والخارجية الصعبة بجبهة داخلية هشة. وذكّرته بأننا إذا لم نركب القطار فستفوت الفرصة، وسنكون أمام استحقاقات تهدد الكيان الأردني برمته، وليس حكومة أو مجلس نواب فقط.

وكان لابد من الإطاحة بالحكومة لكي تمر مشاركة المملكة في مؤتمر مدريد، وسيكون هذا مكسبا وطنيا لنا يخفف عنا الأضرار التي لحقت بنا جراء تداعيات ضرب بغداد وحصار العراق، كما أن استقالة الحكومة ستخفف من حدة أجواء المواجهة بين النواب والحكومة الجديدة، لأن الحكومة الجديدة قد يكون موقفها أكثر قبولا لأنها ورثت عن الحكومة السابقة أجواء التوتر تلك ولم تفتعلها.

وحتى لا يظنن الراحل الحسين بأني أهرب من استحقاقات المسؤولية في الذهاب إلى مدريد وتحمل كل ما سينتج عن المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، أعلنت له استعدادي التام، بأن أكون وزيرا للخارجية مع أي رئيس حكومة سيأتي بعد حكومتي.
وفعلا فقد دعا الحسين في اجتماع حضرناه أنا وأحمد اللوزي وأحمد عبيدات وزيد بن شاكر، وعرض على اللوزي تشكيل الحكومة واعتذر، وعرض على عبيدات واعتذر. طبعا استغرقت تلك النقاشات فترات طويلة، ولم يكن سهلا إقناع الحسين بهذه الخطوة، واستغرق الأمر منا جلسات متعددة على مدار 19 يوما كاملة كان فيها الضغط عليّ من جميع الجهات، وكان مطلوبا مني أن اتخذ القرار الأكثر خدمة لبلدي.

Term of use | Privacy Policy | Disclaimer | Accessibility Help | RSS

eMail: info@tahermasri.com Tel: 00962 65900000

Copyright @ 2015 Taher AlMasri the official web site, All Right Reserved

Image