Image
Image

سياسي يتذكر الحلقة الرابعة

23 نيسان 2014

المصري يروي تفاصيل بدء "مشواره السياسي"

محمد خير الرواشدة

عمان - يكشف رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري في حلقة اليوم من حلقات "سياسي يتذكر" تفاصيل حضور الأردن لمؤتمر قمة الرباط العام 1974 وجوهر التباين بين الموقف الأردني والموقف العربي من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، مُعلناً موقفه من الأمر، وأسباب خروجه من حكومة زيد الرفاعي.

كما يكشف تفاصيل الموقف الرسمي من حرب العام 1973، وكيف أن مجلس الوزراء اشتبك في جدال "طويل وحاد" حول الموقف الأردني من الحرب، وهو النقاش الذي أسفر عن تقديم وزيرين من حكومة الرفاعي استقالتيهما.

وكان المصري في حلقة أمس من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، التي تنشرها "الغد" خلال الأيام المقبلة، استذكر مرحلة الدراسة الجامعية، التي بدأها في بيروت لمدة عام، قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة الأميركية ليدرس الإدارة العامة.

كما استذكر كيف شارك في تأسيس البنك المركزي موظفا لنحو سبعة أعوام ونصف العام، وتزوج سمر ابنة الطبيب في الخدمات الطبية الملكية اللواء سعد البيطار، بالإضافة إلى سرده انطباعاته الإنسانية والسياسية لحرب حزيران 1967، وكيف عاش حلم الانتصار بالحرب، قبل أن يستفيق كما جيله، على انتصار العدو.

كما بدأ المصري بحلقة أمس تقديم رأيه بأحداث أيلول (سبتمبر) العام 1970، مؤكدا أنها "لم تكن حربا أهلية"، فالحرب الأهلية؛ برأيه، هي بين مكونين شعبيين في ذات البلد، ويُجر لها المدنيون عنوة، ويكونون ضحايا لها، و"أيلول" لم تكن كذلك.


وفي حلقة اليوم، يروي المصري تفاصيل مشوقة حول ترشحه عن الانتخابات النيابية التكميلية لمقعد نابلس الشاغر، وكيف سمع عبر المذياع خبر نجاحه في الانتخابات وهو في طريق عودته من نابلس، وكيف أن الحياة النيابية أدخلته حكومة زيد الرفاعي وزيرا للدولة لشؤون الأرض المحتلة.


ويروي المصري أيضاً بتندر بعض تفاصيل الموقعين اللذين حملاه لأعلى مراتب العمل السياسي في الدولة الأردنية.

  • تحدثنا في الحلقة الماضية عن أحداث أيلول 1970، هل  تؤمن بالرأي الذي ذهب إلى أن الحياة تغيرت بعد أحداث أيلول؟


- مع وقف الاقتتال الداخلي، تغيرت ملامح كثيرة في حياتنا، فقد شهدنا اقتتالات أولا، ولحقها فيما بعد تغييرات سياسية.

لكن على المستوى الشخصي، وبعد أن حاولت اللجنة العربية تطويق الأمر، وبعد وفاة جمال عبدالناصر، وبروز بوادر شرخ في المجتمع، نتيجة حدة الاصطفافات المعروفة في ذلك الوقت، بدأت أكون اهتماماتي الخاصة، بالموضوع السياسي، وبشكل أكثر من السابق.

أذكر أن بعض تلك الاستخلاصات التي استنتجها من تلك المرحلة، هي الخوف من أن النظام بدأ يتخذ مسلكا جديدا ومختلفا تجاه النظرة لتحرير الضفة الغربية، وهو قلق ظل يراودني على طول خط العمل السياسي.

فالاقتتال الذي حصل بدأ يبلور شخصية فلسطينية، وبدأت هذه الشخصية تأخذ شكل الهوية، وهي هوية كانت في السابق مركبة من مزيج أردني وفلسطيني.
لا أشكك بأن وجود شخصية قيادية معروفة اليوم وغامضة في ذلك الوقت؛ وهي ياسر عرفات وحركة فتح، بلورا بشكل أساسي هذه الهوية الجديدة، أو الكيان الجديد، وبشكل تدريجي، وصولا لوجود طرف جديد تتعامل معه جامعة الدول العربية.


كما لا أشكك بأن الكتائب المسلحة للمقاومة والقيادات الفلسطينية التي واصلت النضال ضد الاحتلال، هم من صاغوا بداية تشكل منظمة التحرير الفلسطينية، وما ترتب على هذا الجسم فيما بعد.

  • والسؤال هنا؛ هل كان ضروريا أن ينشأ هذا الجسم على فكرة محاولة العبث بتاريخ العلاقة بين الشعبين؟

- هنا، قد ندعي الحكمة بأثر رجعي، فلا شك بأن هناك مراهقة سياسية، سببت تلك الأحداث، وقد نتفق أو نختلف في توجيه اللوم لواحد من طرفي الحدث.
لكن اللحظة التي كانت تخيفني حقا، في تلك الأيام هي لحظة اغتيال رئيس الحكومة الشهيد وصفي التل، فقد أعاد هذا الحادث الفوضى الفكرية، والالتباس حول معاني الاقتتال وأسبابه.

والحمد لله، فإن وصفي كان كبيرا في حياته وفي استشهاده، فقد كان حادث استشهاده سببا مهما في وقف اندفاع الشر، لأن الحدث أعاد الجميع إلى رشدهم، وربما تذكر الجميع بعدها عمق تاريخ العلاقة بين الضفتين، وحاضر وحدة المصير، ومستقبل العلاقة المشتركة.

ويمكنني القول بهذه المناسبة؛ مناسبة اغتيال وصفي تلك الأيام، بأنه ظهر للكثيرين خطورة مثل هذا الحدث، على العلاقة العضوية التي تجمع الأردن وفلسطين، فقد تولد في داخلي شعور في تلك الفترة، بأن اغتيال وصفي سيؤدي إلى ازدياد الهوة وضرب العلاقة بين المكونين.

  • بعد توقف أيلول وعودة الحياة، هل أكملت عملك ورحلة استقرارك؟
    - بدأت حياتي في الاستقرار أكثر مع ولادة ابني نشأت، في أيار (مايو) 1971، في مستشفى فلسطين، وعلى يد الدكتور فريد عكشة، وهو نفسه الطبيب الذي ولد زوجتي سمر، حيث كان العكشة صديق والد زوجتي.

ومع ولادة نشأت وازدياد المسؤولية الأسرية وضرورة تحصين العائلة من أي ظرف

اقتصادي صعب، شعرت بأن علي التفكير بجدية بتغيير عملي، لأن الأفق في البنك المركزي جيد، لكن حركة التطور معه بطيئة.

تزامن ذلك مع بدايات عمل عمي صبيح المصري في المملكة العربية السعودية، وقد رغبت فعلا في الذهاب إلى القطاع الخاص، وبالنسبة لي فإن الباب الأفضل هو الذهاب للعمل مع عمي صبيح، وبصراحة لم أكن متأكدا في ذلك الوقت بأني أصلح للعمل في هذا المجال.

خلال العام 1971 قررت أن أغير العمل، والتحق للعمل مع عمي بالسعودية، وفي آذار من 1973 أخذت إجازة من البنك المركزي لمدة شهرين، وكان رصيد إجازاتي يسمح بذلك، وغادرت إلى السعودية، لم أمض من الإجازة سوى ستة أسابيع، حتى ظهرت المصاعب لعمي صبيح مع شريكه، وهو الأمير عبدالله الفيصل، فسحب الأمير كل كفالاته، وخرج صبيح بشكل كامل، وحيث أنني دخلت المملكة على كفالة، واسم الأمير عبدالله الفيصل، فقد اضطررت لمغادرة السعودية ولو مؤقتا.

عدت إلى عمان، وبالصدفة علمت بأن هناك شاغرا في مجلس النواب، عن مقعد نابلس، الذي كان يشغله النائب عبدالله الخطيب قبل وفاته، مدير مدرسة الصلاحية التي تحدثنا عنها في السابق، عندها خطر في بالي، أنه قد تكون لي فرصة للترشح عن المقعد.


ولمن لا يعرف، فقد كانت الضفة جزءا من المملكة، ومجلس النواب يضم ستين عضوا، ثلاثين للضفة الشرقية ومثلهم للضفة الغربية.

لم يكن في الضفة الغربية، وبحكم الاحتلال، إمكانية لإجراء الانتخابات، وبسبب عدم دستورية إجراء الانتخابات، إلا في المملكة ككل، فقد كان مستحيلا إجراء الانتخابات.

وفعلا بدأ المجلس، وبسبب وفاة عدد من أعضائه من الضفة الغربية، تشغر مقاعده. وجرى تعديل على الدستور العام 1973 وسمح بإجراء انتخابات داخلية، إذا كانت الظروف قاهرة.

  • وهل سمحت لك العائلة بالترشح، خصوصا وأن لها موقفا سياسيا من المشاركة إبان مرحلة نهاية الخمسينيات؟

- فعلا ذهبت إلى نابلس، لكي آخذ رأي العائلة، رغم أني كنت مقررا سلفا، طبعا لم أكن أعرف موعد الانتخابات وآلية إجرائها.

ذهبت وشاورت الأعمام، وشجعوني جميعا باستثناء عمي حكمت، الذي بدا متحفظا على ترشحي لاعتبارات قد يكون جزء منها اعتبارات سياسية.

طبعا، قبل زيارتي لنابلس لمشاورة العائلة وأخذ رأيها، كنت قد قمت بزيارات لكبار المسؤولين في إطار تحضيري الترشح للانتخابات، اتصلت بعدنان أبو عودة، وكان وزيرا للإعلام، وزيد الرفاعي وكان مستشارا سياسيا لجلالة الملك الراحل الحسين، وأحمد اللوزي وكان رئيسا للوزراء، وكامل عريقات رئيس مجلس النواب، ومضر بدران مستشار الأمن القومي، وقدمت نفسي لهم، وكان هناك مرشحون غيري، لكن أعتقد أني قدمت نفسي بشكل صحيح، كما ساعد اسم عائلتي وتاريخها السياسي بدعمي.

  • وهل نجحت في الانتخابات الداخلية، التي أجراها مجلس النواب؟

- هنا قد يستغرب الجميع، لكن هذا ما حصل فعلا، وأنا في طريق عودتي من نابلس، وهي الزيارة التي كانت لأخذ رأي العائلة بفكرة ترشحي للانتخابات عن مقعد نابلس الشاغر، وكنت أركب بسيارات الجسر القديمة، التي كان يجلس فيها إلى جانب السائق راكبان، وكنت في المقعد الأمامي، واثناء مرورنا في "طلوع العدسية" باتجاه عمان، وإذ براديو السيارة، الذي كان ينقل أخبار منتصف النهار من الإذاعة الأردنية، يعلن خبر إعلان أسماء النواب الفائزين في الانتخابات التكميلية للمجلس، حيث كنت واحدا من هذه الأسماء. طبعا لا أحد في السيارة يعرف بأن طاهر المصري، الذي أصبح النائب عن مقعد نابلس، هو واحد من الركاب.


وكان هذا في 2-5-1973، ونجح معي ماهر ارشيد عن مقعد جنين، وسامي جودة عن مقعد رام الله، وخالد فياض عن مقعد طولكرم.

بعد عودتي إلى عمان بثلاثة أيام، ذهبت لمجلس النواب في جبل عمان، وزرت رئيسه كامل عريقات، وأقسمت اليمين عضواً في مجلس الأمة.

لم أمارس عملا نيابيا، لأن اجتماعات المجلس كانت محدودة جدا.

  • لكنها كانت بداية مشوارك السياسي الذي ما زال مستمرا؟

- نعم، في 26 من نفس الشهر، الذي أصبحت فيه عضوا في مجلس النواب، اتصل معي مقسم رئاسة الوزراء، وأبلغوني بأن لدي موعدا للاجتماع مع زيد الرفاعي في بيته، عند الساعة العاشرة صباحا.

ذهبت إلى الموعد، وكان سامي جودة نسيب زيد الرفاعي، وهو كان النائب الجديد عن رام الله موجودا، وأعلمني الرفاعي بأنه مكلف بتشكيل حكومة جديدة، وأبلغني بأنه يريدني وزيرا معه.

دُهشت؛ وسألته إن كان جديا في الأمر، وناقشته بأن عمري وخبرتي قد لا يؤهلاني للقيام بهذه المسؤولية، فلست مطلعا على تفاصيل العمل الوظيفي والإداري، وأن هذه مسؤولية كبيرة، لكنه أكد لي بأنه يعرف ذلك جيدا ومع ذلك اختارني.

بعدها سألته عن الحقيبة الوزارية التي سأتولاها، فنظر لي باستغراب، فقلت له جادا، أريد أن أعرف، فقال: وزير دولة لشؤون الأرض المحتلة.

  • وهل باشرت العمل بعدها؟

- طبعا، كان علينا التوجه للديوان الملكي بعدها لحلف اليمين الدستورية، عدت إلى المنزل وكانت أم نشأت في زيارة إلى نابلس، فوجدت "جاكيت" لونه سكري، وربطة عنق برتقالية، ارتديتهما وركبت سيارتي الـ"رينو"، التي كانت أصغر أحجام السيارات في ذلك الزمن، وذهبت لحلف اليمين. بعد القسم شعرت بأن نظرات الراحل الملك الحسين تنتقدني كوزير يرتدي مثل هذه الألوان، في مناسبة رسمية، ورسمية جدا والصورة الأولى التي التقطت لي بمناسبة حلف اليمين الدستورية كوزير كانت بهذه الملابس. وتعلمت درسا في أصول لبس المراسم.

بعدها التحقت بعملي، وكان مكتبي في مقر المكتب التنفيذي لشؤون الأرض المحتلة، الذي كان يمارس عمله قبل تأسيس الوزارة بموجب قوانين الدفاع، لذلك لم يكن عملي خاضعا للروتين الحكومي، وأمضيت في الوزارة سنة وخمسة أشهر، وخرجت منها في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1974 بسبب تداعيات مؤتمر القمة العربية في الرباط، الذي اعترف فيه العرب بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.

  • وما الرابط بين الحدثين؟

- بعد مؤتمر الرباط، خرج من الحكومة كل الوزراء المحسوبين على الضفة الغربية، وبعدها تم تجميد مجلس النواب وبالتالي تجمدت صفتي كنائب أيضا.

عرض علي زيد الرفاعي، الذي ظل رئيسا للحكومة أن أذهب سفيرا إلى الكويت، ورفضت، وكنت أنتظر مرة أخرى "الفيزا" والذهاب إلى السعودية.

بعدها بنحو 6 أسابيع، التقاني سالم مساعدة وكان وزيرا للمالية، وانتقدني لرفضي منصب السفير، وأصر علي أن أعيد النظر بقراري، وبعد ضغط منه وبآخر الجلسة قبلت، وهو تكفل بإبلاغ زيد الرفاعي، الذي قابلني وقال لي: راحت عليك الكويت، والمتوفر الآن مدريد، ثم عينني في شهر كانون الثاني من العام 1975، سفيرا في الخارجية، وبدأت عملي في نيسان (ابريل) من نفس العام.

  • لكن وأنت وزير دولة لشؤون الأرض المحتلة العام 1973 وقعت الحرب من جديد، فأين كنت من هذا الحدث؟

- فوجئنا جميعا بحرب الـ73، وكانت فترة حرجة جدا بالنسبة للأردن، فقد كان هناك خوف من اتخاذ أي قرار سياسي وعسكري في موضوع المشاركة في الحرب، لأن قرار دخول الحرب كانت له كلف باهظة، ولعدم دخول الحرب كلف أيضا، وهو أمر سآتي لشرحه لاحقا.

كان زيد الرفاعي كرئيس حكومة يشاركنا في المعلومات، والنقاش حول مختلف القضايا المعروضة على مجلس الوزراء، وكان من عادته أن يخصص أول ساعة لطرح قضايا عامة يطرحها هو أو أي وزير، وكان يوضح لنا موقف الدولة من القرارات المفصلية والمهمة، وكان يتقبل الرأي الآخر، ومن يختلف معه، وكنا كوزراء ننتقد بعض القرارات، ونعيد النظر فيها عبر التأثير بالرأي الآخر، وهي قرارات كان محظورا التعامل معها، مثل الاحالات على التقاعد لكبار المسؤولين في المواقع الرسمية المدنية أو العسكرية.

بالعودة لموضوع الحرب، كنا نعقد جلسات ليلية لمتابعة آخر الأخبار والتطورات، واتخاذ القرارات الداخلية بناء على المعطيات الجديدة.

لكن المعضلة كانت أمام الدولة هي في صحة اتخاذ الموقف السليم، فللخيارين كلفة باهظة، فإذا فتحنا الجبهة الأردنية مع الجبهتين السورية والمصرية، ونحن نعرف ضعف قدرات هاتين الجبهتين، فقد نخسر الضفة الشرقية، ففي خاطرنا ما زال درس النكسة. في المقابل كان هناك رأي، يفيد بأنه إذا بقينا حياديين، فقد نلام فيما بعد على الحالتين، فإذا خسر العرب سنلام، لأننا لم نساند الجيشين، وإذا ربح العرب سنلام على أننا لم نشارك في هذا النصر.

فتقرر بعد مناقشة التفاصيل، أن لا نشارك في الحرب، وأن نرسل قوات من الجيش العربي إلى الجولان.

وجرى نقاش عميق، وكانت الأغلبية من الوزراء مع هذا الموقف، غير أن وزير الاقتصاد كامل ابو جابر، ووزير المالية محمد نوري شفيق كانا ضد هذا الرأي.
واشتبك ابو جابر مع زيد الرفاعي بحوار طويل ونقاش حاد، وتم في النهاية التوافق على ما ذهب إليه أغلبية الوزراء، فاستقال ابو جابر وشفيق، وجرى تعديل على الحكومة.

برأيي، أننا استطعنا الخروج من تلك الأزمة، فكنا مقتنعون بأن دخولنا لم يكن ليغير دفة الحرب، أو موازين القوى، وأننا بذلك تجنبنا موقفا آخر، شبيها بنكسة الـ67، وكنت أنا شخصيا مع هذا الرأي.

  • في قمة الرباط، كان قرار الاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا، أين كنت من هذا الموقف؟

- كنت مع الموقف الرسمي الأردني.

  • وهل تعتبرها امتدادا لأيلول؟

- بمعزل عن هذا التحليل، أنا سأسرد ما بذاكرتي عن الموقف، فقد كانت تتجمع في الأفق غيوم محاولات لدعم الاعتراف العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي بدأت تأخذ واقعا سياسيا على الأرض، وظهرت مواقف كثيرة من الدول العربية، تؤيد الاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا، وواجه الأردن وضعا صعبا في قمة الجزائر العام 1973، التي سبقت قمة الرباط بعام.

كانت الدول العربية أخذت قرارا جماعيا بمنح المنظمة هذه الصفة، لكن الضغط الأردني أوقف القمة عند هذا القرار، وطالب بتأجيل مناقشته حتى القمة المقبلة.

كان الوفد الرسمي الأردني لقمة الجزائر برئاسة رئيس الديوان وقتها بهجت التلهوني.
وبين القمتين، حاول الراحل الملك الحسين، وبكل صدق وصبر، شرح سلبيات القرار، وأنه قد يخلق فراغا قانونيا، ستستغله إسرائيل، لأخذ المزيد من الإجراءات الاحتلالية على الأرض.

 

في منتصف العام 1974 ظهر على الأرض أن الدول العربية الرئيسية كانت مصممة على سحب الاعتراف من الأردن، ودعم عرفات والمنظمة في مطالبهما، وتقرر عقد قمة الرباط فذهبنا للقمة، ونحن جاهزون لشرح موقفنا، وتنفيذ المحاولة الأخيرة في تحذير الدول العربية من مخاطر اتخاذ القرار.

وأكد الأردن أنه إذا لم يقتنع العرب بوجهة نظره فإنه سيقبل بالقرار، فألقى الراحل الحسين خطابا مليئا بالمنطق والوطنية، أمام رؤساء الدول والوفود، لكن ذلك لم يغير موقف العرب في شيء، ووافق الأردن في نهاية الأمر، وفعلا أصبحت منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

طبعا، في القمة كانت الضغوطات واضحة، والتهرب العربي من اتخاذ المواقف المُعلنة كان جليا، وكان الملك الحسن عاهل المغرب يشرف بنفسه على الصياغات المناسبة، من وجهة نظرهم، للقرارات. فلما كنت عضوا في لجنة الصياغة، أذكر تماما كيف دخل علينا الملك الحسن، فتدخل مباشرة في الصياغة.

الوفد الأردني الرسمي لقمة الرباط كان كبيرا، وضم بعضويته المستشارين في القصر الملكي بهجت التلهوني وعبدالمنعم الرفاعي وعامر خماش وبهاء الدين طوقان، ورئيس الوزراء زيد الرفاعي، والوزراء عدنان أبو عودة  ومروان دودين وزهير المفتي وذوقان الهنداوي وأنا.

طبعا ذوقان، رحمه الله، بعد أن اتخذت القمة القرار، طلب مغادرة الوفد والعودة إلى عمان، متذرعا بحجة أن رطوبة العاصمة المغربية تسببت له بأزمة تنفسية، وهو الذي يعاني من مرض الربو، لكن على الرغم من انزعاج الرفاعي، من هذا التصرف، إلا أنه سمح له بالعودة.

Term of use | Privacy Policy | Disclaimer | Accessibility Help | RSS

eMail: info@tahermasri.com Tel: 00962 65900000

Copyright @ 2015 Taher AlMasri the official web site, All Right Reserved

Image